شريط أخبار موقع حزب العمل الإسلامى

Saturday, April 9, 2011

وحدة الجيش ضرورة وطنية

بيان إلى الأمة

وحدة الجيش ضرورة وطنية.. وحبس مبارك وأسرته ضرورة وطنية أيضا


مجدى أحمد حسين
magdyahmedhussein@gmail.com
أيتها الأمة المصرية المجيدة:
أتوجه إليكم فى هذه اللحظة العصيبة والفارقة فى مسار ثورتنا العظيمة داعيا الله عز وجل أن يحمى مصر من كل الشرور وأن يحفظها آمنة مستقرة كما ورد فى كتابه المبين وبعد:
إن الحفاظ على وحدة القوات المسلحة مسألة مصيرية فى كل الأحوال وأكثر إلحاحا فى هذه الظروف لضمان مسيرة الثورة التى يتربص بها أعداء الخارج وأذنابهم فى الداخل من فلول النظام البائد.

لذلك فانى أدعو أخوتى الثائرين فى القوات المسلحة لترك العمل السياسى للمدنيين من الشعب، وأن يلتزموا بالانضباط العسكرى إلا أن يأمروا بمعصية ضرب الثوار، فلا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق وفى هذه الحالة يمتنع العسكريون عن إطلاق النار على أبناء الشعب. أما من يرد أن يعمل فى السياسة فليستقل من القوات المسلحة وينخرط فى صفوف الحركة الوطنية. وذلك حفاظا على وحدة الجيش، هذه المؤسسة الوطنية التى نحرص على قوتها وتماسكها.
وفى المقابل يجب أن يدرك المجلس الأعلى للقوات المسلحة أن الأمور لن تهدأ فى البلاد والطاغية السفاح مطلق السراح هو وأسرته المجرمة وكبار معاونيه. وأن محاولة امتصاص غضب الشعب بحبس الصف الثانى من مجرمى نظام مبارك وبمعدلات بطيئة أيضا!! لن يزيد النار إلا أوارا. فهذا استهزاء بعقول الجماهير، واستهزاء بالثورة العظيمة، فكيف بعد تضحيات الشعب بالنفس والنفيس لإسقاط الطاغية، تجده حرا طليقا هو وأسرته رغم كل ما ينشر يوميا عن جرائمه العظمى فى حق الشعب.
إن الأوضاع لن تستقر فى البلاد إلا بحبس ومحاكمة مبارك وسوزان وجمال وعلاء وسرور وصفوت ووالى وحواس وفاروق حسنى وباقى العصابة. وبهذا وحده تستطيع البلاد أن تدخل واثقة عهدا جديدا من النماء والازدهار والتقدم.
وإذا لم يحدث ذلك فتأكدوا أن الثورة ستتجدد بأقوى مما كانت مهما كانت التضحيات، فقد عرف الشعب طريق الحرية وعرف كيف يدفع تكاليفها راضيا مرضيا ولكم فى أحداث الجمعتين الماضيتين عبرة يا أولى الألباب، لقد أنجز المجلس الأعلى للقوات المسلحة انجازا تاريخيا حتى الآن، ولكن كل هذا الرصيد سيذهب أدراج الرياح إذا لم يحسم أمره باتخاذ قرار فورى بحبس الطاغية وكبار أعوانه اليوم قبل الغد.
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار
الخزى والعار لمبارك وأعوانه
النصر لشعب مصر وثورته المجيدة

القاهرة فى 9 أبريل 2011

مجدى أحمد حسين
*****
المقالات الكاملة لمجدى حسين:


Thursday, April 7, 2011

شخصيات من حزب العمل - أحمد حسين

أحمـد حسيــن

مؤسـس حـركـة مصـر الفـتاة

دخلت حركة مصر الفتاة التاريخ المعاصر، كأحد روافد الحركة الإسلامية المعاصرة، باعتبار أن الحركة الإسلامية حركة تحرر وطني، وباعتبار أن حركة التحرر الوطني المصري والعربي هي إسلامية بالضرورة، لأن الإسلام كان جذرًا ثقافيًا لها، ولأن الإسلام هو وجدان الجماهير، والجماهير هي وحدها السلاح في مواجهة التحديات المعاصرة من استعمار وصهيونية وتبعية، ولأن هذه التحديات ذاتها هي جزء من الصراع الطويل بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية.
دخل أحمد حسين تاريخ الكفاح المصري المعاصر، بل والعربي والإسلامي المعاصر كحلقة من حلقات سلسلة طويلة من الكفاح الوطني الإسلامي المعاصر في مواجهة الاستعمار والاستبداد بداءً من محمد كريم وعمر مكرم ومرورًا بالأفغاني ثم مصطفي كامل ومحمد فريد ثم حسن ألبنا وأحمد حسين، ولعل أحمد حسين كان يشبه بشكل شديد سواء في إمكانياته الفردية الفذة، وقدراته العجيبة على الخطابة والكتابة والتحريض السياسي والإعلامي أو في سلوكه الشخصي عبد الله النديم، ذلك الزعيم الوطني الفذ الذي فجر الثورة العرابية، وكان قائدها السياسي وجهازها الإعلامي، وقد وهب أحمد حسين نفسه لمصر وللعرب والمسلمين، فلم يكترث رغم إمكانياته الفردية الجبارة بجمع الأموال مثلما فعل عبد الله النديم تمامًا، فمات كل منهما فقيرًا معدما.
مولده وحياته :
ولد أحمد حسين سنة 1910 م في أسرة ميسورة، وشهد في بداية حياته ثورة 1919، ثم أعقبها انكسار بسبب المؤامرات الإنجليزية وانحراف حزب الوفد عن المبادئ الإسلامية التي أرساها مصطفي كامل ومحمد فريد، ودخل أحمد حسين كلية الحقوق، وبدأ نشاطه السياسي وهو طالب عن طريق الكتابة والصحافة والخطابة، ثم دعا مع مجموعة من الشباب إلى مشروع وطني يستهدف تجميع المدخرات الوطنية لإقامة صناعة وطنية مصرية ( هو مشروع القرش ) سنة 1931، وقد نجح هذا المشروع نجاحًا عظيمًا، وبعد تخرجه من كلية الحقوق أنشأ أحمد حسين مع مجموعة من الشباب حديثي التخرج حركة مصر الفتاة سنة 1933 م مسترشدين بمقولة الزعيم الإسلامي الوطني مصطفي كامل :” أريد أن أوقظ في مصر الهرمة، مصر الفتاة “، وقد دعا هذا الحزب إلى وحدة مصر والسودان وإلي الوحدة العربية والإسلامية، وإلغاء الامتيازات الأجنبية والمحاكم المختلطة، تقييد الشركات الأجنبية، وأن تكون اللغة العربية هي اللغة المستخدمة في الحياة الرسمية وغير الرسمية، واعتبار يوم الجمعة يوم عطلة رسمية، إصلاح أحوال الفلاح المصري، بناء قاعدة صناعية وطنية، فرض حماية جمركية على الصناعة الوطنية، التعليم المجاني، العلاج المجاني، ثم أنشأ أحمد حسين الحزب الوطني الإسلامي عام 1940، وطرح فكرة توحيد القوة الإسلامية في مصر والعالم العربي، ثم الحزب الاشتراكي سنة 1949، الذي أعتمد على مبادئ العدالة الاجتماعية في الإسلام، وقد اهتمت برامج هذه الأحزاب السياسية التي أنشأها وترأسها أحمد حسين بالدعوة إلى الوحدة الإسلامية وإلغاء كل ما يتعارض مع الشريعة الإسلامية، وإنصاف الفلاحين والعمال والفقراء، وحق العمل والإضراب والتأمين الاجتماعي، وتشكيل النقابات والإتحادات للفلاحين والعمال، وحق التعليم والعلاج المجاني0
كما دعا أحمد حسين إلى إنشاء مصانع للحديد والصلب وإنشاء هيئة للطاقة الذرية وتأميم قناة السويس0
وقد لعب أحمد حسين دورًا كبيرًا في التحريض علي الثورات الفلاحية ضد الإقطاع في الريف المصري مثل انتفاضات الفلاحين في قرى كفور نجم وبهوت وميت نضالة.
وقد كان لأحمد حسين أكبر الأثر في هدم النظام الملكي في مصر، فقد ظل طوال حياته يهاجم الملك والحاشية والفساد بلا هوادة، كما نظم أحمد حسين كتائب التحرير للتدريب على السلاح وأعداد المجاهدين للقتال ضد الإنجليز في القناة، أو ضد الغزوة الصهيونية في معارك عام 1948 م.
وقد دخل أحمد حسين السجن عدة مرات، وعاش فترات طويلة مطاردًا هاربًا بسبب ذلك النشاط، وقد أتهم عدة مرات بالعيب في الذات الملكية، وفي عام 1952 دبر الإنجليز والملك حريقًا كبيرًا في القاهرة وتم اتهام أحمد حسين بتدبيره، وأعتقل على ذمة التحقيق في هذه القضية تمهيدًا لصدور الحكم بإعدامه، إلا أن انقلاب الجيش في يوليو 1952 م أفسد تلك المحاولة، وقد أعتزل أحمد حسين العمل السياسي بعد ثورة 1952، لأن رجال ثورة يوليو رفضوا أن يسمحوا له بالعمل السياسي أو الوطني، كما تم اعتقاله وإهانته أيضًا في عام 1954 م، ومنذ عام1954وحتى وفاته عام 1982 م تفرغ أحمد حسين للكتابة والبحث، فأصدر العديد من الكتب والأبحاث والمقالات التاريخية والدينية، وبدأ مشروعًا لتفسير القرآن الكريم إلا أنه لم يتمه بعد أن أنجز منه جزاءًا كبيرًا.
العدالة الاجتماعية من منظور إسلامي
استطاع أحمد حسين أن يقدم نموذجًا فذاً لبرنامج اجتماعي منحاز إلى الفقراء، استنادًا إلى الشريعة الإسلامية والمنهج الإسلامي، كما جمع بشكل فذ بين الوطنية والإسلامية في نسيج متسق منسجم، وفي الحقيقة فإن الإسلامية تقود بالضرورة إلى الوطنية لأننا نعمل في أمة إسلامية وشعوب إسلامية تعاني من غزو حضاري غربي يريد اجتثاث الإسلام والحضارة الإسلامية، وكذا فإن الوطنية تعود بالضرورة إلى الإسلامية، لأن طبيعة الصراع تحتم ذلك، وكذا طبيعة الأعداء والحلفاء، ولا شك أنه لا تناقض في منطقتنا العربية بين الوطنية والإسلامية بل الإسلام والجذر الثقافي الإسلامي شرط ضروري لنجاح أي حركة تحرر وطني، لأنه لا يمكن مواجهة التحدي الاستعماري الصهيوني بأدوات ومناهج مستورده منه، ونابعة من نفس أرضيته الحضارية، بل لابد أن تكون مستمدة من أرضية حضارية مغايرة، ولابد أكثر أن تكون نابعة من نفس تربيتنا ومن جذورنا الثقافية والحضارية حتى تكون قادرة على المواجهة والصمود وتحريك الجماهير.
ولعل أحمد حسين كان دقيقًا مع نفسه، وأتسم بالمراجعة المستمرة لها ليؤكد على هذه النقطة، ومنعًا للالتباس فأنه أكد دائمًا أن خير ما انتهي إليه التطبيق الاشتراكي من توفير ضمانات اجتماعية وهو أول تعاليم الإسلام وجوهرها وروحها، وأنه حين دعا إلى الاشتراكية كان حريصًا على أن يحدد اشتراكيته بأنها بعيدة كل البعد عن اشتراكية ماركس وغيره من الفلاسفة والسياسيين الغربيين، بل هي ضدها على خط مستقيم، وأن مضمون هذه الاشتراكية لم يكن إلا تعاليم الإسلام ولا زيادة، وأنه أعلنها مدوية إسلام وعدالة اجتماعية وليس اشتراكية منعا للبس وللتدقيق في وصف القصد.

****

من مقالات أحمد حسين:

*****
من دراسات أحمد حسين:
من مؤلفات أحمد حسين:

Wednesday, April 6, 2011

لماذا حزب العمل؟ (8) البناء الاقتصادى والتنمية المستقلة



مقدمة عامة: أمة تختنق على 4% من مساحة أرضها!
لا يمكن الحديث عن تصوراتنا للبناء الاقتصادى والتنمية المستقلة دون أن نبدأ بأوضاعنا الراهنة, فمصر تعيش الآن واحدة من أسوأ مراحلها فى التاريخ, ويمكن أن نقول أن مصر منذ 4 سنوات وهى تعيش بدون عقل مركزى. فمصر خلال عهد عبد الناصر كان لها خطة ورؤية وتصور, فإذا ثبت أن هذه الرؤية يجب تعديلها أو تطويرها أو تغييرها فإن هذا يستدعى الانتقال من رؤية إلى رؤية أخرى. ولكن منذ رحيل عبد الناصر عام 1970، مصر انتقلت تدريجيا من رؤية محددة إلى اللاشىء أو انعدام الرؤية أو الفوضى أو الاندفاع التلقائى مع أمواج البحار. وهذا لم يتم بشكل حاد وفورى, بل جرى تدريجيا. وكانت المرحلة الأولى متمحورة حول الأراضى المحتلة وإنجاز حرب أكتوبر, وكان هذا فى إطار الاستجابة لضغوط الواقع والانفجار الجماهيرى (72-1973).
وقد تصور البعض بعد ورقة أكتوبر 1975 التى تحدثت عن الانفتاح الاقتصادى, وما جرى بعد ذلك من تحولات فى السياسة العامة أننا انتقلنا من الرؤية الاشتراكية القائمة على دور الدولة الأساسى فى الاقتصاد وعلى حكم الحزب الواحد، وعلى الإيمان بالوحدة العربية، والعداء لإسرائيل إلى الرؤية الرأسمالية القائمة على الاقتصاد الحر وما يستتبع ذلك من تغيير شبكة علاقاتنا الدولية من المعسكر الاشتراكى إلى المعسكر الغربى, وما يتواكب مع ذلك من تعددية حزبية (ليبرالية) وتغليب السلام والصداقة مع إسرائيل على الحرب, ولكن ما حدث رغم أنه يبدو هكذا على الورق، إلا أنه لم يحدث بصورة تفاعل مدروس فى صفوف النخبة الحاكمة وغير الحاكمة، ولكنه أخذ شكل الانزلاق التدريجى الذى يرتبط إلى حد كبير بمزاجية ورؤية الحاكم الفرد (السادات ثم مبارك), وحيث اتضح أن الطابع الفردى للحكم ما يزال أقوى بكثير من المؤسسات، بل إن مؤسسات الدولة لديها من المرونة بحيث تتكيف مع أى توجهات جديدة للحاكم الفرد!! فالذى جرى على أرض الواقع - وليس على الورق - لا يمكن أن يسمى انتقالا نظاميا من رؤية إلى رؤية، بل كان انتقالا عشوائيا إلى حالة من انعدام الرؤية. نقول ذلك من منظور وطنى فلو أن نخبة مجتمع ما قررت بعد بحث وتأمل جاد الانتقال من وضع لآخر بناء على اعتبارات محددة, فإن ذلك سيتم بصورة منظمة ويؤتى ثماره, وطالما أن الخيار وطنى فهو قابل دائما للمراجعة والتعديل. أما ما حدث بين 1975-2010 فهو فقدان الرؤية الوطنية, وتسليم قياد المجتمع لقوى أجنبية فى كل المجالات: السياسة - الاقتصاد - العسكرية - الثقافة - التعليم - العلم. وهكذا أصبحت الرؤية الحاكمة من خارج البلاد، وهى بطبيعتها لا تبحث إلا عن مصالحها, وهى غير مهمومة بمشروع نهضة للبلاد. بل لا تريده بالأساس كما ذكرنا فى الحلقة السابقة. وبالتالى أصبح لدينا وضع مشوه لا يمكن مقارنته بعشرات التجارب الآسيوية واللاتينية التى غيرت مساراتها بقرار وطنى فقفزت وتقدمت للأمام. أما نحن فكنا أشبه بزورق تتجاذبه وتتخطفه أمواج البحر. فنحن لم ننتقل بدقة إلى ما يسمى الاقتصاد الحر، وهذا له آلياته ونظمه وقواعده، بل أصبح مفهوم حرية الاقتصاد هو حرية الحصول على أموال بأى وسيلة, ولم توجد أى قوانين أو هيئات لتشجيع العمليات الإنتاجية, ولم تتحقق حياة سياسية تعددية فعلا، وحتى الهدنة مع إسرائيل تحولت إلى صداقة حميمة مع عودة الحملات ضد العروبة.
ونقول لو أن هذا الخيار كان وطنيا تحت لافتة: الانكفاء عن مشكلات المنطقة والتركيز على التنمية الاقتصادية لكنا أنجزنا انجازا رهيبا خلال 35 عاما، ولكن الذى حدث أننا أضعنا 35 عاما من عمر الأمة، بمعنى أننا تأخرنا وسبقتنا عشرات الأمم التى كانت بجانبنا أو خلفنا. النظام دمر القطاع العام ولم يبنى قطاعا خاصا قويا يقود التنمية، دمر الصناعة الوطنية ولم يهتم بتنمية الثروة الزراعية بكل فروعها: الأرض - الثروة الحيوانية - السمكية. حدثت حالة توقف فعلى وشامل فى مجال البحث العلمى. لم نكن إذن أمام انتقال من خيار إلى خيار, بل إزاء تفكيك وتدمير للمجتمع، والبقاء على قيد الحياة فى هذه الحالة يكون بزيادة الاعتماد على الخارج فى كل شىء: استيراد سلع - ماكينات وآلات - قروض - منح - خبراء وشركات أجنبية.
وليس من مهمة هذه الرسائل وصف وتحليل حالة مصر فى العقود الثلاثة الأخيرة فهذا عرضناه فى مجالات أخرى. ولكن كان لابد من الإشارة إلى الحالة الفوضوية التى وصلت إليها مصر وأضافت مشكلات جديدة تحتاج لحلول عاجلة.
التركيب السكانى وحسن التوزيع:
ولعل أبرز مشكلات البلاد نتجت عن التعامل العشوائى مع مسألة التركيب السكانى وحسن توزيع السكان, فقد ذكرنا فى البداية هذه الخاصية التى تميز مصر وهى نادرة بين البلدان الأخرى. وهى تركز معظم السكان فى 4% من مساحة البلاد. وقد أدى تزايد السكان إلى حالة من التكدس غير المسبوق فى الدلتا والوادى, وأدى إلى تجريف أكثر من 2 مليون فدان من أجود الأراضى الزراعية. وأدى اختفاء الطمى الذى يجدد التربة (بعد بناء السد العالى) إلى تراجع عام فى جودة الأراضى، بالإضافة لزيادة ملوحة الأرض فى شمال الدلتا، مع احتمال تآكل أجزاء من الدلتا فى السنوات القادمة فى إطار المتغيرات المناخية وارتفاع مستوى البحر. ومع ذلك فإن الدولة تقف عاجزة أمام مواصلة تجريف الأراضى الزراعية بصورة متوحشة ويومية، وما تزال تتحدث عن وجود 9 ملايين فدان ولا تخصم أبدا الأراضى الضائعة.
وكان الخبير المصرى المعروف "رشدى سعيد" قد طرح مشروعا فى منتهى الأهمية، نحن نعتبره مشروع حياة أو موت. كان "رشدى سعيد" خبيرا معتمدا للدولة فى عهد عبد الناصر, أما فى عهد السادات - مبارك فتحول إلى مجرد كاتب لا يؤخذ برأيه، وهذا رمز للحالة التى بدأنا بها الحديث, فالمشكلة مع النظام الحالى ليست أن له رؤية خاطئة، بل فى أنه ليس له رؤية على الإطلاق. فإذا رفض مشروع "رشدى سعيد" فما هو المشروع البديل؟ لا يوجد.
المشروع يقوم على فكرة أساسية وهى إعلان حالة الطوارىء الرسمية والشعبية لإنقاذ ما تبقى من الوادى والدلتا, واعتبار هذه المنطقة محمية طبيعية، ويوقف البناء فيها إطلاقا، بل يتم نقل ما يمكن نقله مما بنى بالفعل من مبانى رسمية ومصانع إلى خارج الوادى (فى الصحراء). ويتضمن المشروع وقف تصدير الغاز الطبيعى وتوجيه كل الناتج المحلى للنهضة الصناعية.
المشروع فكرته بسيطة, ولكن حيوية إلى أبعد مدى, لأنه يستهدف الحفاظ على مصر الزراعية، ولكن تنفيذه يحتاج لعزم الرجال وروح الجهاد, وهى أمور غير متوفرة لدى حكام هذا العهد. المشروع يشير إلى الحفاظ على مصر الزراعية كحد أدنى ضرورى لضمان الأمن الغذائى, ولكنه يؤكد أن النهضة الاقتصادية الكبرى لابد أن تكون فى الصناعة, وهذا هو التوازن الذى يؤمن به حزب العمل.
أكذوبة غزو الصحراء:
شعار غزو الصحراء عن طريق زراعتها تردد كثيرا، دون مراعاة حقائق العلم، فالمعروف تاريخيا وجيولوجيا أن الصحراء لم تكن كذلك فى الماضى, وكانت موزعة بين البحار والأنهار والمزروعات, وأن ظروفا مناخية متغيرة أدت إلى تصحرها. وبالتالى فإن الصحراء نتاج ظرف مناخى تاريخى، من أهم ملامحه ندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة. وبالتالى فإن الحديث عن زراعة الصحراء يجب أن يتم بحذر, وأن يتركز على الأراضى المتاخمة للوادى والدلتا, وهذا ما حدث بنجاح فى فترات سابقة. فالظروف المناخية تكون ملائمة وإمكانية توصيل مياه النيل تكون سهلة وأقل تكلفة. مع مراعاة أن مصر بدأت تدخل فى مرحلة الفقر المائى, وهذه أهم عقبة تواجه مسألة التوسع الزراعى عموما فى مصر. أما المياه الجوفية فلابد من الاستعانة بها, مع ملاحظة أنه لا توجد تقديرات علمية دقيقة لحجم هذه المياه فى الأماكن المختلفة, وهذا أيضا من شواهد غياب الرؤية والمشروع من أذهان الحكام. لأن الأقمار الصناعية ووسائل البحث العلمى والتنقيب سهلت الأمور, ولكن حكامنا غير مشغولين بهذه الأمور!
بل أراد الحاكم أن يحقق مشروعا ضخما ينسب إليه، وأن يقال أنه أنشأ دلتا جديدة، فكان مشروع "توشكى" الفاشل, لأنه لم يراع الاشتراطات التى أشرنا إليها، فهو بعيد عن الوادى، ويعتمد أساسا على مياه النيل التى نعانى من عجز منها حيث يحتاج (5 مليارات متر مكعب سنويا)، كما أن المناخ فى هذه المنطقة غيـر ملائـم لمعيشة البشــر حـيث تتجاوز درجات الحرارة أحيانا الـ 50 درجة، كذلك تتعرض المنطقة لظاهرة كثبان الرمال، وهذا ما يهدد قناة المياه والمزروعات، كذلك فإن قناة المياه لابد أن تكون مبطنة بالأسمنت، ولكن نسبة البخر تكون عالية.
وتوصل العلماء بالتجارب إلى معادلة بسيطة للغاية تقول: الزراعة = الماء. بمعنى أن الماء هو الشرط الضرورى وربما الوحيد للزراعة، فهناك مزروعات تم استنباتها فوق المياه بدون تربة. والبحر به مزروعات، والصحراء بها مزروعات فى حدود الأمطار التى تهطل أو العيون التى تتفجر. وبالتالى فإن كثرة الحديث عن غزو الصحراء باستخدام مياه النيل نوع من الضجيج الأجوف، لأن نصيب مصر من المياه يتناقص كل عام مع زيادة عدد السكان. ولدينا - فى حزب العمل - تصورات حول كيفية مواجهة مشكلة نقص المياه, ولكننا سنظل بالتأكيد من البلاد التى لا تتمتع بوفرة من المياه. وهذا يعنى أن إمكانياتنا فى التوسع كبلد زراعى محدودة. مما يحتم ضرورة الحفاظ على ما تبقى من الأراضى الصالحة للزراعة لضمان الأمن الغذائى, ولا شك أن أراضى الوادى والدلتا هى أخصب هذه الأراضى، ولابد من الحفاظ على ما تبقى منها.
أما الانطلاقة الكبرى للنهضة والتى ستمكننا من نقل ملايين المواطنين من الوادى والدلتا إلى الصحراء فهى الصناعة.
والذى حدث فيما يسمى المدن والمجتمعات الجديدة كان كارثة بكل معانى الكلمة من زاوية إعادة توزيع السكان, فقد بنيت المدن والمجتمعات الجديدة فى الصحراء ليس من باب رجاحة العقل وحسن الفطن، بل لأن الأراضى الزراعية المحيطة بها قد تم تدميرها بالبناء (مدينة 6 أكتوبر بعد تدمير الزراعة فى كل مناطق الجيزة والهرم كمثال)، ومع ذلك فإن هذه المدن تحولت إلى امتدادات فعلية للقاهرة الكبرى، فهى لم تنشأ كمجتمعات مستقلة بها كافة الخدمات ويسكن فيها من يعمل فيها ويتعلم فيها. فأغلب سكانها يعملون خارجها، والعاملون فيها يسكنون خارجها وحتى فى مدينة العاشر من رمضان تجد كثيرا من العاملين فيها إما من القاهرة أو من الشرقية (الدلتا) وبالتالى لم تتحول إلى مراكز مستقلة. وهكذا تحولت القاهرة الكبرى إلى مدينة مجنونة قطرها يتراوح بين 50 كيلو مترا إلى 70 كيلومترا يعيش فيها ما بين (16-20 مليون) وهو أمر لا مثيل له فى العالم. ثم يجرى الحديث عن مشكلة مرور، وهل يمكن حل مشكلة المرور فى هذا الوضع؟! كما أن هذا التكدس لا يساعد على خلق ظروف مناسبة لعمل إنتاجى ولا حياة آدمية مناسبة.
وبالإضافة لكارثة القاهرة الكبرى، نجد أن الخروج من الوادى إلى الصحراء أخذ شكل الترفيه عن الأثرياء والسياح, فتم تحويل الساحل الشمالى إلى منتجعات خاصة على طول الطريق بين الإسكندرية ومرسى مطروح. بينما يرى خبراء الزراعة أن هذه المنطقة صالحة لزراعة 3 ملايين فدان من القمح بالتزاوج بين المياه الجوفية والأمطار. وقد تكرر نفس الشىء على طول ساحل البحر الأحمر حيث تحول إلى ساحل سياحى, دون أى اهتمام بتطوير أشكال أخرى من التنمية كالثروة السمكية والتعدينية، وتعمير سيناء بعد 28 عاما من استردادها تركز فى مشروعات سياحية فى جنوب سيناء. والمعروف أن المشروعات السياحية التى هيمنت على كل هذه المناطق الصحراوية لا تستوعب إلا أعداد قليلة من العاملين.
وبالتالى فإن كثرة الضجيج عن الخروج من الوادى تحول إلى مجرد خروج المصطافين المصريين بالإضافة لاستقبال السياح الأجانب. ولم يؤد كل هذا الحراك إلى أى تعديل يذكر فى توزيع السكان.
وإذا عدنا من جديد إلى مشروع "رشدى سعيد" نقول إن ندرة الأرض الزراعية تجعل من العبث أن نبنى أى مشروع داخل الدلتا والوادى لا علاقة له بالزراعة. لذا ما معنى أن نبنى مصنعا على أرض زراعية، ثم نبنى مساكن للعمال على الأرض الزراعية.. إلخ. وليس المقصود بالصحراء هو الذهاب إلى أعماقها أو إلى أماكن سيئة المناخ كما ذهبوا فى توشكى, بل إن بناء التجمعات الصناعية يكون ملائما بالقرب من موانىء التصدير أو بالقرب من الوادى والدلتا.
المنطقة من القاهرة للسويس كمثال نموذجى لذلك. ولكن ماذا حدث فيها؟ تم بناء عدة تجمعات سكنية تحولت إلى امتدادات للقاهرة, أما مشروع المنطقة الصناعية فى السويس وشرق التفريعة فى بورسعيد فما يزال حديث الصحف والتمنيات.
وحدثت نفس الكارثة فى الصعيد فتحولت المدن الجديدة إلى مجرد امتداد للوادى, فلا يوجد بها أى نشاط إنتاجى ولا حياة مستقلة، بل تحولت الوحدات السكنية فيها إلى مجال للمضاربات على سعرها دون أن يتم إشغالها بالفعل.
وهكذا بعد 35 عاما لم يتم إعادة توزيع السكان وزادت الحياة اختناقا وتخرج القرى تدريجيا من النشاط الزراعى وتتحول إلى مدن صغيرة فاشلة. ومن هذه الأماكن تحديدا يخرج آلاف الشباب يضحون بحياتهم فى هجرة غير شرعية لأوروبا عبر سفن الصيد!
ولن تنهض البلاد إلا عبر صحوة صناعية خارج الوادى والدلتا فى إطار مجتمعات متكاملة بها من الخدمات وأماكن الترفيه وأماكن السكن ووسائل النقل والمواصلات ما يجعلها جاذبة للعاملين من أجل الإقامة الدائمة (رشدى سعيد يقترح أيضا تفكيك المصانع القائمة وإعادة تركيبها خارج الدلتا والوادى).
لا مستقبل لمصر - كباقى الأمم الناهضة - إلا بالاندفاع فى صحوة صناعية حقيقية، صناعة وطنية تقدم على تشغيل عدد كبير من العمال لإشباع الحاجات الأساسية للناس، وتقتحم مجالات الصناعة المتطورة من أجل احتياجات البلاد ومن أجل التصدير.
ما يعنينا الآن أن مواجهة أزمة تكدس السكان والبطالة وضياع رقعة الأرض الزراعية لا يمكن أن يتم إلا بضربة واحدة.. هى النهضة الصناعية على أن تتموضع خارج الوادى.
مصر بلد طارد للسكان لأول مرة:
أصبحت مصر لأول مرة فى التاريخ بلدا طاردا للسكان، وبعد أن كانت جاذبة للمهاجرين من العرب والعجم، هاجر المصريون بالملايين إلى بلاد العرب والعجم، ورغم أن السياسات الاقتصادية الخاطئة مسئولة عن ذلك، إلا أن اكتشاف أماكن للرزق الأوسع كان سببا مهما إضافيا لهذه الظاهرة الجديدة. وهذه ظاهرة تاريخية يجب ألا تقلقنا فهى دورات، وكما استقبلنا ممثلين من شعوب أخرى، فيمكن لشعوب أخرى أن تستقبلنا فى ظروف أخرى.
على المستوى العربى خاصة فى السودان (وقد تحدثنا عن ذلك) نرى أن هجرة وتوطن المصريين ظاهرة إيجابية تساعد على تلاحم الشعوب العربية وإعادة انصهارها مع بعضها البعض.
ونحن نرى أن الهجرة المصرية المنظمة للسودان وأى بلد عربى آخر ظاهرة إيجابية, شريطة أن تكون تحت السيطرة وتحت إشراف الحكومة المصرية، وأن تكون هناك علاقات منظمة معهم حتى لا تترك أحوالهم للظروف العشوائية حتى وإن حصلوا على جنسية أخرى ومن باب أولى أن يحدث ذلك مع الجاليات المصرية فى شتى أنحاء العالم, فكل هؤلاء قوة لا تقدر بثمن إذا أحسن توظيفها لخدمة مصالح البلاد.
أما ما يحدث الآن فهو نوع من الهروب الجماعى من مصر, والحكومة لا تملك أى سياسة تجاه هذه الظاهرة، بينما أصبح السفر العشوائى للمواطنين يعرضهم لسوء المعاملة والمغامرات غير مأمونة العواقب.
*****
مصر بلد العشوائيات:
فى ظل غياب تصور للتعامل مع الحراك السكانى أو حل مشكلة الإسكان، الناجمة أساسا من هذا التكدس السكانى، أو طرح تصورات غير واقعية كالمدن الجديدة ذات الأسعار المرتفعة للسكن، بالإضافة لبعدها عن أماكن العمل، تحركت الجماهير بمبادراتها الخاصة وصنعت بمبادرتها الخاصة أكبر التجمعات وأكبر المدن والأحياء بأرخص الأثمان وأقرب ما يكون لأماكن العمل، فكانت حركة العشوائيات بالملايين التى التفت بأحزمتها حول المدن، أو صنعت بؤرها الخاصة فى أى فجوة بين الأحياء القائمة بالفعل، فيما أصبح يعرف بالمناطق العشوائية, ولطالما صبت الحكومة وإعلامها جام غضبها على الناس الذين فعلوا ذلك ولكنهم كانوا فى الحقيقة يحلون مشكلة الإسكان المتفاقمة فى المدن والتى تخلت الحكومة عن حلها. وقد أدت هذه العشوائيات إلى المزيد من التضخم السرطانى لمدينة القاهرة وغيرها من المدن, وأدت إلى اختناقات فى الخدمات، ولكن الناس فعلوا بعشوائية ما رفضت الحكومة أن تقوم به بانتظام, وأصبح أمرا واقعا جديدا يؤكد حالة التكدس السكانى فى أصغر مساحة من البلاد، ومن أغرب الظواهر التى نشأت خلال ذلك تحول مقابر القاهرة إلى مساكن للأحياء الذين رأوا أنه لا خيار أمامهم إلا مشاركة الأموات فى حياتهم بالمقابر!!
وتكررت نفس الظاهرة العشوائية حول وداخل مختلف المدن. أما فى الريف فأخذت العشوائية شكل التوسع فى البناء على الأرض الزراعية (التجريف) خارج إطار القواعد والقانون.
وما يهمنا هنا أن هذه الظاهرة فاقمت فى حالة التكدس السكانى على أصغر مساحة من مصر، أى داخل الوادى والدلتا، ولم ترتبط بظهور مراكز حضارية أو إنتاجية جديدة, بل كانت تتحلق وتدور حول نفس المراكز السكانية والإنتاجية القديمة, وهو الأمر الذى كان لابد أن يؤدى إلى تفاقم معدلات البطالة التى وصلت حقيقة إلى 19%، وأيضا إلى زيادة معدلات الجريمة، واتساع ظاهرة الاقتصاد السفلى (تجارة المخدرات - التهريب - الصناعات غير المرخصة.. إلخ).
*****
آثرنا أن نبدأ بهذه الخلفية، فهذا هو مسرح العمليات، وقد تحولت مصر إلى أرض ضربت الفوضى فيها أطنابها، وتكدس الإنسان والحيوان والنبات معا أدى إلى حالة من التعفن (بتعبير د. جمال حمدان) وأصبحت البلاد مكانا كريها طاردا لأهله بالمعنى الروحى والمادى، وليست مكانا للسعادة المشتركة، بل فى مقابل هذه الصورة القبيحة التى يعانى منها معظم السكان قام المترفون - عبر وزارة الإسكان وبأموال الشعب - ببناء عشوائياتهم الخاصة, وهى مدن وقرى وتجمعات الأغنياء المغلقة عليهم بأسوار من حديد ستجدها حول القاهرة أيضا التى تتوسع بلا نهاية فى كل الاتجاهات، وستجدها على كل سواحل مصر، وعلى طريق مصر - الإسكندرية الصحراوى, ولا أحد يعرف ماذا يدور خلف هذه الأسوار إلا من خلال بعض الإعلانات التى تثير حفيظة وجنون الشباب العاطل الذى لا يطمع فى أن يجد مأوى للزواج يوما ما فى أى مكان.
وفى ظل غياب خطة للتنمية تستوعب طاقات من 80 ألف إلى مليون باحث عن فرصة عمل سنويا، فإن الذى أخر الانفجار الاجتماعى الكبير هو ما سميناه حالة الهروب الكبير من البلاد للعمل بالخارج, ولكن هذه الفرص تقلصت الآن بصورة كبيرة، فأغلقت العراق ودول الخليج وليبيا، كما أن أوروبا ترفض وتقيد معظم الهجرة غير الشرعية. ولا تزال بعض الأسر تعيش على مدخرات الماضى أو ما تمكنت من استثماره, ولكن آفاق الحياة الاقتصادية تضيق، وفرص العمل المجزية تكاد تتركز فى العمل مع الشركات الأجنبية، والعاملون فيها يشكلون شريحة ضيقة جدا من إجمالى قوة العمل فى البلاد.
هذا ليس عرضا لكل مشكلات البلاد الاقتصادية، ولكنه الصورة الخلفية أو مسرح العمليات من زاوية الانتشار السكانى. فنحن فى بلد يكتظ بالسكان على 4% من مساحته (التى تبلغ مليون كيلو متر مربع) دون خطة واضحة للتنمية أو للخروج من الوادى، فالناس تكاد تأكل بعضها خاصة فى المركز (القاهرة الكبرى التى تحوى ربع السكان) بدأت عملية الهروب للخارج منذ عقود، الآن يتعرض انسيابها لمشكلات كبيرة، فتحول الهروب إلى عمليات انتحارية عبر المتوسط، الصعيد أصبح طاردا لسكانه، أكثر من أى وقت مضى، وفرص العمل والإنتاج تكاد تكون معدومة بالنسبة للأجيال الصاعدة والكثافة السكانية فيه تقل، ويتكدس الناس أكثر حول القاهرة والدلتا!! وليس لدى الحكومة ما تقوله فى هذا الشأن إلا الدعوة المستمرة لتحديد النسل وسنخصص حلقة لهذا الموضوع، ولكن الرد العملى والسريع جاء من الصين والهند فأكبر بلدين من حيث عدد السكان أصبحا الآن فى المركزين الثانى والرابع على مستوى الاقتصاد العالمى بعد أن كانا فى عداد البلدان الفقيرة والمتخلفة منذ عقدين أو ثلاثة عقود، كما اكتفيا من القمح ويصدرانه للخارج!

Tuesday, April 5, 2011

لماذا حزب العمل؟ (7) خصوصية الوضع الإقليمى والدولى لمصر


الحلقة السابعة: خصوصية الوضع الإقليمى والدولى لمصر والكيـان الصهيـونى والقضيـة الفلسـطينيـة

ما زلنا نواصل رسم الخريطة المحيطة بمصر. والتى تحدد إلى حد كبير دور مصر ومكانتها الإقليمية والدولية. والجغرافيا هنا بالغة الأهمية، فلو كانت مصر فى أواسط أفريقيا أو فى أطراف الوطن العربى، لكانت بلدا آخر بشخصية أخرى ودور تاريخى مختلف, فكما أن الإنسان لا يختار جاره ولا يختار والديه, فإنه لا يختار وطنه ولا موقع وطنه. ولابد أن يدرسه ويفهمه كما هو, ويعلم إمكاناته كما هى، ونقاط القوة والضعف فى هذا الوضع الجغرافى سواء من حيث تركيبة الخريطة الإقليمية المحيطة به, لأنها البيئة الإجبارية التى يتعين عليه أن يعيش وسطها, أو من حيث الجغرافية الداخلية للوطن, وما ينطوى عليه من ثروات.

ولمصر وضع شديد الخصوصية إلى حد التفرد فى وضعها الإقليمى والدولى, لا يمكن للوطنى المصرى أن يحترم بلده دون أن يفهم هذا الوضع, وقد أشرنا إلى أطراف من ذلك خلال الحديث عن خصوصية مصر وعروبتها وإسلامها, وسنبدأ من الوضع المعاصر, ثم نلقى بعد ذلك نظرة على التاريخ من هذه الزاوية.

بعد كامب ديفيد ومعاهدة السلام مع إسرائيل جرى فى البلاد حوار واسع حول القضية الفلسطينية, وهى الوجه الآخر للعملة (الكيان الصهيونى)، وهل هى قضية مفروضة على مصر, أو يمكن لمصر أن تتخلص منها وتبحث عن مصالحها الخاصة؟

والحقيقة فإن هذا حوار شاذ, وما كان يمكن أن يطرح على هذا النطاق الواسع إلا بسبب استسلام السلطة الحاكمة أمام الحلف الصهيونى - الأمريكى, واستخدامها الإمكانات الإعلامية الكبرى للدولة فى تبرير هذا الاستسلام، ومن ذلك طرح القضية الفلسطينية فى أحسن الأحوال كقضية خارجية, أو باعتبارها مسألة أضرت بمصر, وأنها مسئولية الفلسطينيين وحدهم، وهم المسئولون عن ضياع فلسطين، وعلى مصر أن تبدأ الاهتمام بشئونها ولا تلقى بالا كثيرا لما يسمى الشئون الفلسطينية أو العربية، وبالتالى فإن العداء مع إسرائيل كان مرحلة وانتهت, وهى الآن مجرد دولة جارة وصديقة يتعين التعاون معها وأن نتجنب شرها لأنها أقوى منا بكثير، وأمريكا وإن كانت قد أصبحت صديقتنا فهى أقرب لإسرائيل مننا.

نقول لولا سيطرة السلطة على الإعلام ما كان لهذا التصور السابق أن ينتشر بين العامة من الناس ويأخذ الحجم الذى أخذه.

وهذه رؤية حزب العمل للقضية الفلسطينية والموقف من الكيان الصهيونى:

فلسطين قضية عقائدية:

إذا كانت الأمة متمسكة بدينها الإسلامى فإن مسألة تحرير فلسطين من الغزو الصهيونى الاستيطانى مسألة بديهية لا تجوز أن تخضع للمناقشة من حيث المبدأ. فنحن أمام ديار إسلامية تعرضت لغزو واغتصاب واستيطان استهدف طرد أهالى المسلمين فى إطار مشروع يهودى صهيونى لإقامة دولة يهودية، وقد جىء بهؤلاء اليهود من شتى أصقاع الأرض, ولم تكن ولا لواحد منهم صلة بفلسطين, ولكن لمجرد الإدعاء الدينى أن فلسطين هى أرض الميعاد.

وهذا العدوان اكتمل بتأسيس الكيان الصهيونى عام 1948. وهذا الاستيلاء على أراضى المسلمين جـريمة لا تسـقط بالتقادم بل إن الكيان الصهيونى تحول - بتحالفه مع الغرب وأمريكا - إلى حالة عدوانية دائمة على العرب والمسلمين. فهذا الكيان لم يأت ليستقر على جزء أو كل أرض فلسطين, بل يريد أن يفرض سطوته على المنطقة بأثرها: عدوان 1956، عدوان 1967 ضرب أعماق مصر - ضرب المفاعل النووى العراقى - احتلال لبنان - بعد سيناء والجولان والضفة وغزة، وهو يهدد بضرب السد العالى بالقنابل النووية، وأخيرا يهدد بضرب البرنامج النووى الإيرانى، بعد أن ضرب البرنامج النووى السورى. المهم أننا إزاء حالة من العدوانية المستمرة على الأمة العربية والإسلامية، وفى نفس الوقت لا يتوقف عن اضطهاد وقتل وتشريد الفلسطينيين والتهديد المستمر بهدم المسجد الأقصى.

وهناك إجماع بين علماء المسلمين على عدم الاعتراف بهذا الكيان، ورفض التطبيع معه وضرورة العمل على تحرير فلسطين كفريضة جهاد. وإذا لم يتمكن أهل فلسطين من تحريرها يصبح تحريرها فرض عين على الدول المجاورة لها وعلى رأسها مصر, بحكم وزنها, وبالتالى فإن أقصى ما يمكن أن نقدمه لإسرائيل هو هدنة مؤقتة، فالهدنة العسكرية جائزة شرعا ولكنها لا تستمر 30 سنة، وإن جاز أن تستمر فلا يجوز إقامة تعاون اقتصادى وثيق كما هو الحال الآن: اتفاقية الكويز - بيع الغاز الطبيعى والبترول - تعاون زراعى وسياحى - تعاون فى حصار غزة!! كل هذه التعاملات خروج صريح على ثوابت الشريعة الإسلامية, لأن فى كل ذلك تعزيز وتثبيت للكيان المعتدى على فلسطين, والذى يواصل تهديد وضرب الدول العربية وإيران، وهو سقوط فى جريمة موالاة الأعداء، وبالإضافة لكل ذلك فإن فلسطين ليست ديارا إسلامية عادية، إنها الأرض المقدسة والمباركة فى القرآن الكريم, وهى مكان المسجد الأقصى مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم, أولى القبلتين وثالث الحرمين.

فلسطين قضية عربية:

وحدة العرب ضرورة للوحدة الإسلامية الكبرى, وقد نجح الكيان الصهيونى فى تقسيم الوطن العربى إلى قسمين, ومنع امتداد الأراضى بين المشرق والمغرب العربيين. بل مارس الصهاينة ضغطا على السلطات المصرية لوقف مشروع الجسر بين مصر والسعودية، واستجابت السلطات المصرية رغم أنه كان سيحل مشكلة التواصل الأرضى العربى بين المشرق والمغرب. وتمارس إسرائيل دور الإسفين بين الدول العربية لمنع تواصلهم واتحادهم، وتطرح مشروع السوق الشرق أوسطية فى مواجهة السوق العربية المشتركة, أو مشروع البحر المتوسط.

ورغم أن مشروع السوق الشرق أوسطية لم يعلن رسميا بعد انعقاد عدد من المؤتمرات الدولية حول ذلك، إلا أن مضمونه قد تم تنفيذه، فهناك الآن سوق مشتركة حقيقية بين مصر والأردن وإسرائيل تحت لافتة الكويز بحيث تدخل صادرات مصر والأردن السوق الأمريكى بدون جمارك طالما فيها نسبة مكون إسرائيلى. ولكن التعاون بين مصر وإسرائيل، وبين الأردن وإسرائيل، أوسع من ذلك بكثير فى علاقات التعاون الثنائية. وهناك علاقات تعاون اقتصادى سرى بين إسرائيل وكل من المغرب وتونس ودول الخليج كما تسللت شركات إسرائيلية إلى العراق تحت مظلة الاحتلال الأمريكى, وبالإضافة للدول فإن إسرائيل تقيم علاقات وثيقة مع حركة التمرد فى جنوب السودان ومع بعض الحركات فى دارفور، بالإضافة لأكراد العراق. وقد قامت إستراتيجية إسرائيل على محاصرة الوطن العربى من أطرافه عن طريق توثيق العلاقات مع إثيوبيا وأوغندا وإريتريا وسابقا مع إيران فى عهد الشاه، وتركيا التى تتعرض العلاقات معها للانهيار حاليا.

ولكن إستراتيجية إسرائيل قامت على حصار الوطن العربى من خارجه عن طريق دول الجوار، وهذا ما يعطيها الآن يدا قويا فى التحكم فى منابع النيل. وبالفعل فقد تحولت إسرائيل إلى سرطان فى المنطقة العربية, من ناحية تستنزف القوى المالية والعسكرية للدول العربية, وتسعى من ناحية أخرى إلى إضعاف وتمزيق الروابط الوحدوية، بل تسعى لتفتيت كل بلد عربى على حدة (لبنان - السودان - العراق كأبرز أمثلة).

فلسطين قضية مصرية:

مصر هى المؤهلة بطبيعتها لقيادة المنطقة العربية, وأن تكون دولة محورية فى إقليمها، لذلك فإنه عندما تم زرع الكيان الصهيونى فى قلب المنطقة وعلى حدود مصر بمساندة شاملة من قوى الغرب والولايات المتحدة، فإن هذا الكيان قد زرع ليقود المنطقة فى اتجاه الأهداف المشتركة الصهيونية - الغربية, ولذلك فإن أكثر بلد أضير من تأسيس إسرائيل هو مصر، لأن إسرائيل جاءت لضرب زعامتها ولسحب البساط من تحت أقدامها، واستنزافها ماليا وعسكريا وعدم السماح لها بتجميع العرب حولها، أما قيادة إسرائيل فى المنطقة فسوف تتم بالسطوة العسكرية أولا, ثم بفرض مشروع التعاون الاقتصادى, وضرب فكرة العرب والعروبة، والحديث عن منطقة الشرق الأوسط والشعوب الشرق أوسطية، والمتوسطية (نسبة للبحر المتوسط).

إذن مصر لا يمكن أن تمارس دورها الطبيعى القيادى فى المنطقة فى وجود إسرائيل. وعبر التاريخ كانت مصر وفلسطين (أو الشام عموما) كتلة واحدة ومصير واحد وإن فصلتهما صحراء سيناء والنقب. فمن يسيطر على ضفة لابد أن يلحق به الضفة الأخرى، والأقوى هو الذى يتمكن من ذلك.

فى قصص الأنبياء المؤكدة أو شبه المؤكدة نجد العلاقة التاريخية بين مصر وفلسطين. نجد سيدنا إبراهيم ينتقل من العراق إلى الشام وفلسطين, ويذهب إلى الجزيرة العربية مرورا بمصر. ويتزوج هاجر المصرية التى تقول الروايات أنها من سيناء (من قرية أمام الفرما على البحر المتوسط) وفى القرآن الكريم نرى سيدنا موسى وكيف انتقل من مصر إلى سيناء فى اتجاه فلسطين (الشام). عيسى عليه السلام يروى أنه زار مصر طفلا مع أمه حرصا على حياته ثم عادت به إلى فلسطين. البلد الوحيد الذى زاره سيدنا محمد قبل البعثة هو الشام, ويقال أن خط هذه الرحلة كان يمر بغزة، وهذا بسبب وفاة جده هاشم فى غزة ودفنه هناك. ولكن رسول الله تزوج من مصرية (مارية) وكاد أن يكون له منها ولد (إبراهيم), وقد أوصانا بمصر كثيرا, ومصر هى البلد الوحيد فى العالم المذكور بالاسم فى القرآن الكريم (راجع التفاصيل فى دراستى "سنن التغيير فى السيرة النبوية"). والشام حين يذكر فيعنى أساسا فلسطين وسوريا ولبنان والأردن، فمصر وفلسطين أو مصر والشام صنوان لا ينفصلان مصيرهما واحد دائما. فى العهد المصرى القديم (الفرعونى) كان الشام جزء لا يتجزأ من الدولة المصرية عندما تكون فى حالتها القوية المعتادة، وعندما تضعف وتضطر للانكماش وترك الشام، فإن أى طرف قوى يسيطر على الشام يتجه للسيطرة على مصر. وكانت فلسطين هى الأكثر ارتباطا بمصر من حيث الجوار, ولذلك فى بعض الأحيان كانت حدود مصر تصل إلى القدس.

إذا نظرت إلى الخريطة فستجد مصر وفلسطين امتدادا واحدا, يمثلان معا ما يسمى ملتقى القارات الثلاث, وبالفعل كانت مصر وفلسطين معا وكأنهما نقطة المنتصف فى العالم القديم, والنقطة الفاصلة بين الشرق والغرب. ومن حيث هذه الأهمية الجغرافية فهما كتلة واحدة لا تتجزأ ولا يفيد السيطرة على طرف دون آخر.

عندما كان يضعف النظام المصرى كان يحكمنا قادمون من المشرق: الهكسوس، الآشوريون، الفرس، فكل من كان قويا فى الشام لابد أن يتطلع لاستكمال سيطرته إلى مصر.

وعندما جاء الإسكندر الأكبر من الغرب إلى مصر, امتد بقوته إلى الشام, فقد كان ذلك ضروريا وإجباريا حتى يصل إلى الهند. وكان البطالمة الذين ورثوا الإسكندر يحكمون مصر والشام, والرومان من بعدهم فعلوا نفس الشىء.

وفى الفتح الإسلامى لم يكد العرب يستقرون فى القدس وفلسطين حتى أدركوا أنه لا يمكن الاستقرار فيها والرومان فى مصر، فجاءت فكرة فتح مصر. ومنذ ذلك التاريخ ظلت مصر وفلسطين (أو الشام) معا فى ظل الدول الإسلامية المتعاقبة قد ينفصلان, ولكن كان يستمر سعى أحد الطرفين لإعادة ضم الطرف الآخر.

وظلت القوى الخارجية تدرك الترابط بين مصر وفلسطين، فالحملة الصليبية ما كادت تستقر فى فلسطين حتى شعرت بأن ظهرها سيظل مكشوفا بدون إخضاع مصر وتعددت الحملات الصليبية لغزو مصر, ولكنها باءت عموما بالفشل (بحريا وبريا) وكانت مخاوف الصليبيين فى محلها تماما، فقد كانت الضربة القاضية لهم من مصر.

وعندما اكتسح التتار من أقصى شرق آسيا البلاد حتى الشام لم يجدوا معنى لتوقف حملتهم إلا فى مصر! ولكن كانت هزيمتهم فى عين جالوت.

وعندما جاءت حملة نابليون إلى مصر واصل الطريق إلى فلسطين, ولكنه فشل عسكريا. وحرص الإنجليز على احتلال فلسطين مع مصر. وعندما نشأ الكيان الصهيونى فى فلسطين عام 1948 اعتبر سندا للوجود البريطانى فى مصر، وظلت العلاقات الحميمة بين إسرائيل وإنجلترا حتى عام 1956 ثم ورثت الولايات المتحدة التحالف مع الكيان الصهيونى.

وباعتبار أن إسرائيل كيان غريب قليل السكان, فليس من المتصور عقلا أن يضم مصر بطريقة الاحتلال العسكرى، ولذلك تم الاعتماد على الولايات المتحدة لإخضاع مصر بوسائل التبعية الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وانضمت مصر لفلسطين المحتلة (الكيان الصهيونى) تحت الإشراف الأمريكى. ففى هذا الصراع الأخير ضم الطرف الأقوى فى فلسطين (ولكنهم مع الأسف اليهود الصهاينة) مصر إليه. فمصر وفلسطين لابد أن يعيشا فى دولة واحدة أو منطقة نفوذ واحدة, وهما الآن تحت الاحتلال والنفوذ الصهيونى الأمريكى.

ويعلم الأعداء أن هذا الوضع غير طبيعى, وأنه مهدد فى كل لحظة بعودة مصر إلى حالتها الطبيعية, حيث لابد أن تسعى لاستعادة فلسطين الأصلية وطرد الغزاة الصهاينة، إذن فماذا هو الحل؟ الحل بالنسبة لهم هو إضعاف مصر إلى حد التدمير والتعجيز، وإبقائها على قيد الحياة دون أن تمتلك أى قوة أو إرادة أو أى إمكانية لاستعادة قوتها ولياقتها.

وهذه نقطة مهمة لابد من إدراكها, فالعلاقات مع أمريكا والغرب محفوفة بالكثير من المخاطر أكثر من أى دولة أخرى. فمثلا نجد فى تجربة النمور الآسيوية أن الاقتصادات الآسيوية فى هذه البلدان نمت وترعرعت رغم علاقات التبعية مع الولايات المتحدة، وهذا يرجع الفضل فيه للنخب الوطنية التى سعت من خلال الاقتصاد أن تحرر إرادتها السياسية تدريجيا، ولكن فى المقابل لم تكن يد الولايات المتحدة باطشة إلى حد قتل كل المبادرات الوطنية.

فى علاقات مصر مع الولايات المتحدة هناك ممنوعات عديدة, كتلك التى تفرضها أمريكا على أى دولة تابعة لها، ولكن هناك ممنوعات عديدة أخرى إضافية لضمان استمرار مصر عند مستوى معين من الضعف البنيوى. لماذا؟ لأنها هى البلد المجاور لإسرائيل, والذى يملك إمكانية التصدى لها وجمع العرب حول هذه المهمة. وتشارك إسرائيل مباشرة فى عملية إضعاف مصر عن طريق الشبكات الاقتصادية للصهيونية العالمية, ومن خلال عمليات التطبيع الضارة مع مصر كما حدث ويحدث فى المجال الزراعى (راجع تفاصيل حملتنا ضد يوسف والى فى كتاب "الخيانة: الملف الأسود للزراعة فى مصر").

أما بالنسبة للولايات المتحدة فإسرائيل هى الركيزة الأساسية لحماية مصالحها ونفوذها فى المنطقة, وإضعاف مصر ضرورة حتى لا تتزعم العرب ضد الوجود الأمريكى كما حدث فى عهد عبد الناصر، خاصة مع الأهمية الجغرافية للمنطقة، وما ظهر فيها من ثروات نفطية، وما يجمع أمريكا وإسرائيل من تحالف عقائدى (الصهيونية المسيحية) مرتبط بحماية دولة اليهود فى فلسطين وعاصمتها القدس (راجع التفاصيل فى كتابى: "أمريكا طاغوت العصر").

وهكذا فإن ما نجح فيه مهاتير محمد فى قيادة ماليزيا من الاحتلال إلى الاستقلال عبر النهضة التعليمية والاقتصادية، لا يمكن أن يتكرر فى مصر بنفس السهولة واليسر فى حالة وجود قيادة رشيدة مماثلة. مصر كتب عليها عبر التاريخ أن تبنى حضارتها ونهضتها تحت النار لأنها فى قلب العالم. لذا فإن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مصر إعجازى بكل المعانى السياسية والتاريخية والإستراتيجية, إن فى مصر (خير أجناد الأرض وهم فى رباط إلى يوم الدين) وكذلك وصف مصر بأنها (أرض الكنانة) والكنانة هى جراب الأسهم! لذلك لم يكن من قبيل الصدف أن زعماء مصر الحقيقيين هم المحاربون (أحمس - رمسيس - صلاح الدين - قطز.. إلخ) وأفضلهم هو الذى جمع بين القتال وبناء النهضة الاقتصادية والعلمية.

وسواء فى ظل وجود إسرائيل أو قبلها أو بعدها, فإن هذا المربع من العالم الذى يضم مصر وفلسطين لا يمكن أن يترك فى حاله، ولا يمكن أن يكون بعيدا عن سيطرة القوى العظمى فى العالم, لأنه باختصار فى منتصف العالم ومحوره. وحتى بعد اختراع الطائرات والصواريخ فقد ثبت أن الموقع الجغرافى لا يفقد أهميته, فحتى الطائرة لابد أن تمر من الخطوط الأقصر، واستخدام الصواريخ فى الحروب لا يغنى عن استخدام القوات البرية، وقناة السويس لم تفقد أهميتها لأنها لا تزال أقصر الطرق البحرية بين الشرق والغرب.

وليس من قبيل الصدفة أن أحلام هتلر فى السيطرة على العالم بدأ انكسارها فى معركة العلمين, وأن كل القوى العظمى عبر التاريخ مرت من هذا المربع (فلسطين - مصر) واستقرت فيه، وأن علاقة الاتحاد السوفيتى بمصر عبد الناصر كان نقطة تحول فى زيادة نفوذ السوفيت عالميا. وإن الهيمنة الأمريكية على مصر والاحتلال الصهيونى لفلسطين هو رمز لهيمنة الحلف الصهيونى - الأمريكى على العالم. وإن كان النفوذ الأمريكى فى تراجع عام إلا أنه يركز ما تبقى من قوته على ما يسميها منطقة الشرق الأوسط، ومصر وفلسطين فى قلبها.

مصر وفلسطين إذن توأمان لا ينفصلان، ومصيرهما واحد، وأكبر خطأ تاريخى يمكن أن يقع فيه أحد التوأمين أن يظن أنه يمكن أن يخطط لمعيشته وحياته ومستقبله دون تنسيق على الأقل مع التوأم الأخر.

إسرائيل هى الغدة السرطانية التى تنهك جسد مصر (بعد فلسطين) ولابد من استئصالها (راجع دراسة: إستراتيجية تحرير فلسطين أصبحت واضحة المعالم - مجلة منبر الشرق - العدد 27), وإسرائيل أنهكت مصر فى السلام بأكثر مما أنهكتها فى الحرب، ففى السلام هناك ممنوعات عديدة على مصر: زراعة القمح حتى الاكتفاء الذاتى - المعرفة النووية - امتلاك أى سبب من أسباب القوة الاقتصادية أو العسكرية أو العلمية, فالفيتو الأمريكى الإسرائيلى هو الذى يعرقل تنمية سيناء وإعمارها بصورة حقيقية، حتى تبقى مخلخلة السكان منزوعة السلاح، وفاصل آمن بين مصر وإسرائيل، أيضا التقارب المصرى مع الدول العربية والإسلامية غير مطلوب خاصة الدول المستقلة عن الهيمنة الأمريكية: كسوريا وإيران والسودان. أما الدول العربية الأخرى فلم يعد لمصر أى أهمية لديها, فإذا كانت مصر تعمل تحت المظلة الأمريكية فهم أيضا يعملون تحت ذات المظلة، ولا يحتاجون مصر فى شىء, فخطوطهم مفتوحة مع واشنطن علنا، وتل أبيب سرا. وعندما تفقد مصر احترامها وهيبتها وزعامتها فى المنطقة، فإن ذلك ينعكس على مصالحها الوطنية المباشرة, فلا يعود لها أهمية حتى لدى الأشقاء، فالشقيق الأكبر لا يحصل على وزنه واحترامه فى الأسرة لمجرد كبر سنه، بل لابد أن يكون هو القائد الفعلى لأشقائه الأصغر بالدور الذى يقوم به.

وترى القوى العالمية أنها عندما تنهض مصر فإنها ستكون من أهم دول العالم, إن لم يكن أهمها على الإطلاق، وهذا ما حدث فى العهود الفرعونية والإسلامية. ومصر لا تنهض إلا بقيادة محيطها الإقليمى, وهو ما يجعلها فى أكثر مواقع العالم تأثيرا، ولذلك فإن القوى العالمية بعد انهيار الدولة الإسلامية الكبرى، دائما ما كانت تتربص بأى نهضة مصرية، فرأينا التحالف العالمى ضد تجربة محمد على، حتى بعد أن تحولت من مشروع عسكرى إلى مشروع نهضة اقتصادية وعلمية، ثم ما حدث من تكالب عالمى ضد تجربة جمال عبد الناصر.

وبالتالى فإنه ليس لدينا الخيار، فإذا أردنا أن ننهض بمصر إلى المكان الذى يليق بها فلابد من مواجهة التدخلات الأجنبية والصهيونية، ولابد من الجمع بين الجهاد والبناء، وعلى أى حال فهذا ليس بعيدا عن العقيدة الإسلامية, وهذا هو الحال فى كافة بلاد المسلمين، ولكن مصر كثغر مستهدف يتعين أن تكون فى حالة من اليقظة الدائمة, لأنها كما قلنا فى عين النار. ولابد من حشد وتجميع قوى وشعوب المنطقة ضد الغزاة والمتنمرين والكيان الصهيونى حاليا على رأسهم، حتى لا تواجه مصر المعركة الكبرى وحدها.

وقد يقول قائل بل لدينا خيار آخر هو الانطواء حول أنفسنا, نعيش ونأكل بدون صراعات. وإن جاز ذلك جدلا من الناحية الأخلاقية والدينية، فهو خيار غير واقعى إلى حد العدم للأسباب التالية:

- مصر ليست البلد الوحيد الذى يعانى من الصراعات الدولية، بل إن أى بلد معرض للتدخل الأجنبى، كما دخل هتلر هولندا وبولندا.. إلخ. كما تعرضت عشرات الدول لمواقف مماثلة.

- إن الانعزال عن المنطقة المحيطة بك نوع من الجنون لأنك ستحول بلدك بيديك إلى سجن، فأنت لابد أن تمر عبر الجيران من أجل التعامل مع العالم الخارجى. ولا توجد دولة عاقلة فى التاريخ أغلقت عليها الأبواب المحيطة بها وخاصمتها، إن هذا وضع لا وجود له فى تاريخ البشرية. ولذلك فإن الدعوة لمقاطعة العرب - بمناسبة مباراة كرة القدم أو غيرها مثلا! - هو حالة جنونية بالمعنى الحرفى، ولكن هذه الحالة الجنونية قادها الإعلام الرسمى المصرى.

- وحتى مع افتراض هذا الخيار اللاعقلانى (العزلة)، فإنه ونتيجة للأهمية المحورية لموقع مصر فإن الدول العظمى على مستوى العالم لن تتركه خاليا، بل ستسيطر عليه بكل الوسائل السلمية والحربية، وهذا هو ما حدث عبر التاريخ, فإما أن تستفيد مصر من موقعها لتعزيز قوتها ومكانتها ونهضتها أو تقوم قوى خارجية بالاستفادة من إمكاناتها وتستعبدها وتحولها إلى مجرد موقع تابع لها, وهذا ما تقوم به الولايات المتحدة حاليا مع مصر. وهناك وجود عسكرى أمريكى دائم فى مصر يزيد ويتقلص حسب الحاجة، وهناك 4 قواعد أمريكية صريحة وفقا للبيانات الأمريكية. ولكن ربما لا توجد لافتة تحمل هذا الاسم. وهناك تواجد لقوات جوية أمريكية فى قواعد مصرية. وهناك مناورات النجم الساطع التى تجرى كل عامين، والتى تتيح للقوات الأمريكية ترك معداتها على الأراضى المصرية، وهناك تسهيلات عسكرية دائمة يحق بموجبها للقوات الأمريكية استخدام الأراضى والأجواء والمياه المصرية فى أعمال عسكرية أو لنقل القوات (راجع كتابنا: "لا") وإذا أضفنا لذلك أن المعونة الأمريكية السنوية تتضمن 1.2 مليار دولار للأسلحة والتعاون العسكرى، وهذا يعنى ارتباط الجيش المصرى بالتسلح الأمريكى والتدريب الأمريكى والإمدادات الأمريكية وقطع الغيار.. إلخ, فمصر حاليا أشبه بمستعمرة أمريكية, والأمريكان متواجدون فى النخاع الشوكى للنظام السياسى، وعندما قال مصطفى الفقى (أحد رموز النظام) أن الرئيس المصرى القادم لابد أن يكون بموافقة أمريكا وعدم اعتراض إسرائيل، فإنه لم يتجاوز الحقيقة، ولخص الحالة البائسة التى وصلت إليها مصر.

إذن الخيار الثانى الافتراضى أن نرمى أنفسنا فى أحضان الدولة العظمى (الولايات المتحدة)، هذا كان خيار نظام السادات - مبارك, وهذه الحصيلة بعد خمسة وثلاثين عاما أن أصبح ترتيب مصر فى مؤشرات الاقتصاد والتنمية يتراوح بين 120- 123، وهى الحالة المتدهورة فى شتى المجالات بإحساس واعتراف الجميع, بينما سبقتنا عشرات الدول الآسيوية واللاتينية.

إذن الخيار الوطنى الصحيح والوحيد أن تعمل مصر من أجل نفسها ومن أجل أمتها، وأن تمارس دورها القيادى الذى فرض عليها فى الوطن العربى، ومن ثم فى العالم الإسلامى

Sunday, April 3, 2011

خطوات باهرة للمجلس العسكرى.. وأخرى تثير الحيرة



التاريخ: 03/04/2011

مجدى حسين
magdyahmedhussein@gmail.com
يواصل المجلس الأعلى للقوات المسلحة أعماله الباهرة، ويدخل التاريخ من أوسع وأنظف أبوابه، بقراراته ومراسيمه وإعلاناته المتوالية، وهو يؤسس بالفعل لمصر الجديدة التى طالما هفونا إليها وحلمنا بها، حقا إنها بركات ثورة الشعب المجيدة، ولكن فى أى بلد فى العالم قام الجيش بترجمة أمينة لمطالب الثورات الديمقراطية؟! إن جيشنا يتفوق على نفسه، فلا يكتفى بموقف حقن الدماء ورفض تنفيذ أوامر الطاغية المخلوع بإقامة المجازر، ولو اكتفى بذلك لكان حقيق عليه أن يتربع على عروش قلوبنا، ولكنه يأبى إلا أن يفعل ما لم يفعله جيش آخر فى العالم، ويقوم بنفسه بوضع أسس ديمقراطية رفيعة تضاهى أرقى ديمقراطيات العالم، بل وتتفوق عليها، التصويت بالرقم القومى غير موجود فى الولايات المتحدةالتى ما تزال تعتمد على جداول ناخبين حيث يتعين على المواطن الأمريكى أن يتقدم لتسجيل نفسه وأن يقوم بنقل اسمه إذا انتقل من ولاية لأخرى. وهناك شكوى من عدم دقة هذه الجداول

التصويت بالرقم القومى أعطى قيمة فورية لكل مواطن وجعل تصويته سهلا ميسورا وقضى بالضربة القاضية على لعبة تربيط الأصوات والبطاقات الانتخابية فى يد سماسرة الانتخابات، وحتى من يملك المليارات فكيف يستطيع شراء 42 مليون صوت؟ وحتى لو فتحت لمرشح ما خزائن الأرض فإنه لن يستطيع شراء أصوات المصريين بعد 25 يناير وقد تملكتهم العزة، والعزة هى مفتاح تقدم الأمم. وهكذا فإن التصويت بالرقم القومى ضرب عدة عصافير بحجر واحد. وآثرت أن أبدأ بهذا المثال الذى لا ينتبه إليه كثيرون، حتى استبعد من أذهانكم مظنة وقوعى فى النفاق أو المبالغة، وحتى لا يتصور متصور أننى تعبت من المعارضة وأريد أن استكين للموافقة!! فلا زلت والحمد لله مستعد للمعارضة فى الحق حتى الرمق الأخير من حياتى.
التصويت بالرقم القومى يبدو من التفاصيل، ولكن كما أن الشيطان يكمن فى التفاصيل كما يقول مثل غربى، فيبدو أن الملائكة أيضا تسكن فى التفاصيل! واللوحة الجميلة الرائعة قد تفسد إذا حدثت أخطاء فى رتوشها الأخيرة والتفصيلية. فقد تم استعباد الشعب المصرى وتزوير إرادته من خلال البطاقات الانتخابية الوردية اللعينة التى حارت فيها البرية!!
ولكننى لم أقصد ذلك أساسا بالحديث عن الخطوات المبهرة. وإنما أعنى سلسلة المواقف والمراسيم والقرارات انتهاء بالإعلان الدستورى. ولنا ملاحظات هنا وهناك حتى على هذه المراسيم والإعلانات والقرارات، ولكننى أتحدث عن الاتجاه الرئيسى والجوهرى لها. فهى مصاغة بلغة قانونية رصينة وتحوى جوهر قيم الحرية والديمقراطية والحفاظ على حقوق الإنسان، وتأكيد سيادة الشعب. وليس بامكانى حصر كل هذه القرارات والمراسيم الآن فأنا أشبه بالبدوى أتنقل من أقاصى الصعيد إلى شمال سيناء أحمل اللاب توب تحت ابطى وهذا المقال أبدأه فى برج العرب وربما أنتهى منه فى الأقصر! ولكننى أذكر على سبيل المثال لا الحصر قرار حل اتحادات الطلاب المزورة وإجراء انتخابات طلابية رغم أن العام على وشك الانتهاء! ولو كنت أنا الشخص المسئول الأول لما فعلت ذلك ولقلت للطلاب اكتفوا هذا العام بتشكيل الأسر بحرية لحين إجراء انتخابات طلابية حقيقية فى العام القادم. قرار تغليظ العقوبة على البلطجة والذى أدى إلى تحسن كبير وفورى فى الحالة الأمنية. وهناك توجه لقرار مماثل فيما يتعلق بالتحرش الجنسى. قانون الأحزاب الذى جعل تأسيسها بالإخطار مع أخذ الضمانات الكافية للجدية، ولا اعتراض لنا على رفع عدد المؤسسين إلى 5 آلاف، فالذى لا يملك هذا العدد لا يستحق بالفعل أن يؤسس حزبا. ونحن مع إلغاء دعم الأحزاب الذى تحول لوسيلة للفساد ولإفساد الحياة السياسية. وإن كنت مع النظام السويدى الذى يربط الدعم المالى وحجمه للأحزاب بعدد مقاعدها بالبرلمان. أما عن تكلفة الإعلان عن المؤسسين فى الصحف فهذه قابلة للمناقشة بحيث تكون مجانا أو بأسعار معقولة. وهذا القانون الجديد يقضى تماما على الممارسات المريضة التى ما يزال يمارسها البعض دون أن يدرى أننا فى عصر جديد وقانون جديد. فالحزب الذى لا يرضى طموحاتك ولا يعبر عن مراميك وأهدافك ومبادئك يمكن أن تتركه بسهولة إذا عجزت عن إصلاحه من الداخل وتؤسس حزبا آخر. أما استمرار التنازع على رخصة الحزب فهو من التخلف العقلى أو من استمرار التأثر بممارسات أمن الدولة فى العهد البائد!! أما الإعلان الدستورى الأخير، فهو وثيقة رفيعة فى الحريات وحقوق الإنسان وألغى ما ورد فى التعديلات الفاسدة الأخيرة فى العهد البائد من إباحة مراقبة التليفونات!
ولنا ملاحظات عدة ولكننا نريد ألا نوقف المراكب السائرة، ونرى أن ملاحظاتنا يمكن معالجتها من خلال صياغة الدستور الجديد بإذن الله. كأسطورة 50% عمال وفلاحين والعمال والفلاحون منها براء، وسخافة كوتة المرأة وغير ذلك.
ولكن أهم ما جاء فى الإعلان الدستورى الجدول الزمنى الذى يشير إلى التطويح بانتخابات الرئاسة لأكثر من عام، وهو ما يشير إلى أن الموعد الذى تم نفيه هو الموعد التقريبى الحقيقى (يونيو 2012). ولا أرى أهمية كبرى فى التسلسل الزمنى لأنواع الانتخابات، المهم هو سرعة انتقال السلطة من العسكر للمدنيين المنتخبين. وقال المجلس أنه مع ذلك وأرى أنه صادق، فلماذا المطوحة إذن فى مواعيد الانتخابات خاصة الرئاسية. لا تفسير لذلك إلا بقايا الخضوع للنفوذ الأمريكى. فالولايات المتحدة موقفها معروف ومعلن فهى مع أقصى تأجيل ممكن لأى انتخابات، حتى تستعد لها!! أى حتى تخطط جيدا لإنجاح مرشحيها. وأكرر للمجلس العسكرى ما قلته من قبل: لا تعطوا أمريكا أكثر من حجمها الحقيقى، أمريكا فقدت السيطرة على معظم دول العالم خاصة فى أمريكا اللاتينية وآسيا، وهى لا تتحكم تماما فى المواقف الأوروبية، بل إن النفوذ الأمريكى تراجع بشدة فى منطقتنا على وقع أقدام الثورات العربية الكبرى وليس الثورة المصرية الكبرى فحسب. ومؤشرات التراجع الأمريكى بادية للعيان اقتصاديا وعسكريا وسياسيا. أقول ذلك قبل الإشارة لبديهية أن الشعب المصرى بعد ثورته المجيدة رأسه فى السماء (ارفع رأسك فوق أنت مصرى) ولا يقبل تدخلات أمريكية فى شئونه. وأقول للمجلس العسكرى المحترم وهو سيسمعنى فيما أظن بجدية ولن يصم آذانه كما فعل مبارك، أقول: إن سكوبى وكلينتون وحتى أوباما نفسه لن يغنوا عنكم من الله من شىء، وأنكم ستردون إلى عالم الغيب والشهادة وسينبئكم خالقكم بما كنتم تعملون، ولديكم الآن أمانة وسينظر الله ماذا تفعلون؟ واعلموا إن الخضوع مرة أخرى للنزوات الأمريكية هو الباب الرئيسى لانتكاس الثورة، والباب الرئيسى لتبدل حسناتكم سيئات عند الله والشعب، فلا تجعلوا للأمريكان عليكم سبيلا.
ويظهر هذا الخطر فى أشياء عدة كالتمسك بحواس بدلا من محاكمته على نهب وضياع الآثار، وعدم حبس ومحاكمة الطاغية المخلوع وزوجته وعزمى وصفوت وسرور ووالى وجمال وعلاء وشفيق. إذا لم تفعلوا هذا فقد اضطر آسفا لتنظيم حملة للإفراج عن حبيب العادلى وأحمد عز وأنس الفقى، لأننى أرفض سياسة أكباش الفداء المقيتة، فهذا ظلم وتضييع للعدالة واستخفاف بالشعب. نرفض محاكمة البيادق دون الملك. ونرفض وأنتم المقاتلون الأشداء أن تتشطروا على البردعة وتتركوا الحمار. وستكون كارثة عليكم إذا هرب واحد من هؤلاء عبر الحدود. أما استطالة البقاء فى الحكم، فهذا والله كأس مر فاشربوه وحدكم، فالأحمق وحده (وأنا أتحدث هنا عن المدنيين) هو الذى يتصور أن فى موقع الحكم الآن مغنما، فقد ترك الطاغية مصر محطمة وتحت الصفر وكذلك فإن الشعب لم يعد لديه صبر على أى ممارسات غير جادة، وسيهب فى وجوهكم، وانتم لستم متخصصين لا فى السياسة ولا فى الاقتصاد، ويحسب لكم أنكم تقرون بذلك. ومن ضرورات الإسراع بالعودة إلى ثكناتكم، ما يجرى حولنا، خاصة فى ليبيا، لأن جيش مصر كان هو المؤهل لمساندة الثورة الليبية، وأطالب ببيان رسمى هل حقا تم اعتداء واسع على أعراض المصريات على يد عصابات القذافى فى ليبيا؟ وهل إذا كان ذلك صحيحا؟ هل يمكن الصمت؟ ثم هل يمكن إنكار أن عشرات المصريين قد استشهدوا بالفعل على أرض ليبيا. من مصلحة أمريكا أن تشغلكم بشئون الحكم، ومن مصلحة مصر أن تنشغلوا بحماية الحدود والمصريين فى الخارج إذا تعرضوا لمذابح.
أنتم تصنعون التاريخ فلا تضيعوا ما صنعتموه وتصنعوه بعمل حساب للوشايات الأمريكية، وسيروا على بركة الله واعلموا أن وراءكم شعب مستعد الآن لحماية ثورته ومكتسباتها بكل ما يملك من قوة، إن الشعب الذى هزم جيش الأمن المركزى المليونى بأجساده العارية، إن الشعب الذى تحدى الرصاص والبلطجية والجمال والسنج والسيوف ببعض الحجارة، هو شعب لا يقهر بإذن الله, وإن أمة تتقدم مظاهراتها النساء هى أيضا أمة لا تقهر. رددوا هذا الدعاء القرآنى: (ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا)
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار
الخزى والعار للطاغية وأعوانه

النصر لشعب مصر وثورته المجيدة

مجدى أحمد حسين
*****
المقالات الكاملة لمجدى حسين: