كما هو واضح للجميع فإن ثورة 25 يناير المجيدة تميزت بأنها كانت ثورة الشعب المصرى كله، وتمكنت الثورة بدون قيادة واضحة ومنظمة ومعترف بها من انجاز الشق الأول من مهمتها، وهوهدم النظام السابق. ولكن مرحلة البناء بعد الهدم لا يمكن أن تستمر على نفس المنوال, فقد وصلنا إلى ضرورة وجود قيادة شرعية لها لتتولى قيادة المجتمع وترسى دعائم العهد الجديد مستلهمة أهداف ومبادىء وقيم الثورة. ولكن الأزمة التى نعانى منها الآن أن الثورة انتصرت ولكنها لم تستلم السلطة بعد. وفى ظل هذه الفجوة تحدث كل أشكال الاضطراب التى تصيب المشهد السياسى بضبابية واضحة. ويسعى البعض لإيجاد قيادة مفتعلة بصورة تحكمية وغير ديمقراطية، باستمرار الإعلان المتواصل عن أشكال متنوعة من المؤتمرات والتجمعات والهيئات التى تريد أن تنصب نفسها قيادة للثورة بالعافية!! وهذه محاولات يائسة لا محل لها ولا أمل لها فى انتزاع أى اعتراف شعبى حقيقى.
فالثورة تستلم السلطة بطريقتين لا ثالث لهما. الأولى أن يستلم تنظيم أو جبهة السلطة فور سقوط النظام البائد وهذا لم يحدث لأسباب عديدة. الطريقة الثانية أن تتبلور قيادة الثورة وتتسلم الحكم عبر انتخابات حرة نزيهة، ولهذا الطريق مزاياه الحضارية والسلمية والراقية غير المنكورة. حيث تتشكل قيادة الثورة فى مرحلة البناء عن طريق الشعب الذى شارك بأسره فى هذه الثورة وهو الوحيد المؤتمن عليها. وعلى من يخشى الشعب (أى يخشى الانتخابات الحرة) أن يستقيل من الثورة. وقد طرح المجلس العسكرى أسلوبا مثاليا، وهو تسليم السلطة فى نهاية العام كحد أقصى. ولكن المجلس العسكرى يتعرض الآن لوسوسة الشياطين، من قائل بضرورة استمرار الحكم العسكرى إلى أجل غير مسمى، إلى قائل بضرورة استبداله بحكم رئاسى مدنى (لا ندرى من يختاره؟!) إلى أجل غير مسمى. وتصب كل الاقتراحات أو كل الوسوسة فى فكرة واحدة: التطويح بالانتخابات اللعينة التى ستجلب لنا الإسلاميين الملاعيين على الأغلب. وهى نفس فكرة الرئيس المخلوع وأعوانه، والتى يتصادف أنها تلقى هوى الأمريكيين والإسرائيليين وفلول النظام البائد.
ولكن طالما أجرينا استفتاءا أكد على موعد إجراء انتخابات تشريعية بحد أقصى 30 سبتمبر، ونظم طريقة إعداد الدستور بعد ذلك. أصبح من التنطع والتخريب بل والدعوة المباشرة للفوضى أن يتم إلقاء نتائج هذا الاستفتاء فى سلة المهملات، بل والاحتقار المعلن للشعب المصرى بأسره صاحب وصانع الثورة ومصدر السلطات. نقول إن جاز لبعض الإعلام الخاص أن يهرف أحيانا، فإن الإعلام الرسمى (القومى) لا يجوز السماح له بالترويج لعدم المشروعية. وإلا فإننا لن نبنى طوبة واحدة على طوبة فى العهد الجديد. وسنجعل للفوضى مشروعية، وفارق كبير وجوهرى بين الثورة والفوضى.
مجدى أحمد حسين
جريدة الدستور المطبوعة - 28 مايو 2011 (علامات)
*****
No comments:
Post a Comment