
التاريخ: 22/05/2011
الكاتب: مجدى أحمد حسين
حرصنا فى كل مرحلة من مراحل الثورة أن نركز على الحلقة المركزية أو المهمة الرئيسية للثورة التى يتعين على الشعب المصرى أن يمسك بها ولا يشتت انتباهه لمعارك جانبيبة وما أكثرها فى ظل الفوران الثورى. والآن بعد 3 شهور ونصف الشهر من إسقاط حكم مبارك نجد أمامنا لوحة متداخلة شديدة التعقيد من الأحداث تتشابك فيها أعمال حسنى النية مع أعمال سيىء النية أحيانا، وتنجذب قطاعات مختلفة من الجماهير إلى معارك فرعية عديدة. واللوحة المعقدة تشمل: مسألة الانتخابات والدستور، مسألة أوضاع الأمن والاستقرار، مسألة الأوضاع الاقتصادية، مسألة العلاقات العربية والدولية وكيف تكون بعد سقوط النظام البائد، مسألة محاكمة مبارك ورموز النظام البائد، مسألة المدى الزمنى لاستمرار المجلس العسكرى وحكومة شرف المؤقتة.. إلخ.
ونرى أن كل هذه المعضلات المتشابكة والمحيرة للبعض لا يمكن مواجهتها جميعا إلا بحل العقدة المركزية فى هذه اللحظة من تقدم الثورة. وهذه العقدة المركزية تتمثل فى التالى: أن الثورة المصرية قد نجحت نجاحا مؤزرا فى إسقاط النظام والعديد من أركانه، ولكنها لم تتمكن بعد من استلام السلطة. وطبيعة الثورة المصرية أنها قامت على حالة من الإجماع الشعبى بدون قيادة تاريخية واضحة المعالم وذات طابع تنظيمى تحظى بالإجماع أو ما يشبه الإجماع. ومع ذلك فإن نواة قيادة الثورة موجودة ومتوفرة وتتمثل فى كافة القوى المحجوبة عن الشرعية فى عهد مبارك من مختلف التيارات الإسلامية والقومية والليبرالية واليسارية والتى عارضت النظام البائد وشكلت العمود الفقرى بكوادرها وشعاراتها وخبراتها فى كافة تحركات الثورة والتى انتصرت بفضل مشاركة الأغلبية الصامتة للشعب والتى تحركت ونطقت فى 25 يناير فحسمت الأمر, وهذه الجموع أفرزت بدورها قيادات شابة جديدة غير مصنفة أيديولوجيا حتى الآن. وكل هذه القيادات التاريخية والشابة التى قادت الثورة لم تتسلم الحكم بعد، وهذه الفجوة أدت إلى حالة الارتباك والاضطراب التى يشعر بها الجميع. ولا أقصد الأحداث العادية المصاحبة لأى ثورة ويمكن تسميتها بالأعراض الجانبية، كبعض الخلل الأمنى أو التباطؤ فى الأداء الاقتصادى فهذه أمور مصاحبة لأى ثورة عظيمة بحجم وعمق الثورة المصرية. فالثورة أشبه بالبركان الذى يزلزل المجتمع ولكنه يسمد الأرض بأكثر مواد الأرض خصوبة. ولكن أعنى بالارتباك هنا عدم وضوح الرؤية السياسية فى ظل حالة من الضبابية الناشئة عن عدم استلام الثوار للسلطة بعد. فالقابضون على أعنة السلطة ليسوا هم من مهد للثورة وعمل من أجلها وشارك فى صنعها، ولكنهم مدنيين وعسكريين انضموا إليها فى المرحلة الأخيرة، وقد انضم بعض هؤلاء مسايرة واعترافا بالأمر الواقع، وانضم البعض الآخر اقتناعا وإعجابا، وعدم الانسجام بين هذين الصنفين فى المجلس العسكرى والحكومة هو سبب كل هذا الاضطراب الحادث فى المشهد السياسى، ولا يمكن الخلاص من هذا الوضع الذى يشعر البعض بأن الثورة لم تحقق شيئا!! (وهذا غير صحيح طبعا) هذا الوضع لا يمكن الخلاص منه إلا بتحقيق الاستلام الناجز والحقيقى لثوار التحرير (والمقصود كل ميادين التحرير وليس ميدان تحرير القاهرة وحده) للسلطة، وبالتالى حل معضلة التمثيل الشرعى والحقيقى للثورة. فعدم وجود قيادة منظمة معترف بها للثورة وإن كان لم يؤثر على تحركات الثورة فى مرحلة إسقاط النظام، فإن الأمر لا يمكن أن يستقيم هكذا فى مرحلة بناء العهد الجديد. ومن الرائع فعلا أن يتم اختيار الشعب لقيادة ثورته من خلال انتخابات حرة نزيهة، فهذا هو الأسلوب الأكثر تحضرا والأكثر حسما للشرعية، وهو هدف ووسيلة فى آن معا. الهدف هو بداية إقامة نظام ديمقراطى حقيقى، والانتخابات وسيلة حاسمة وشرعية لتحديد قيادة الثورة. فالثورة ظلت تعانى حتى الآن من تحديد ناطق واحد باسمها أو قيادة معترف ومجمع عليها من الشعب، ولا تحل هذه المعضلة بمبادرات لعقد وتأسيس تجمعات بأسماء مختلفة فى محاولة لتمثيل الثورة، فهذه المحاولات مهما حسنت نوايا القائمين عليها لن تحل المعضلة وستظل هذه القيادات التى عينت نفسها بصورة غير ديمقراطية غير قادرة حقا على تمثيل الشعب والحصول على اعترافه. وستظل الثورة هكذا تدور فى حلقة مفرغة. والحل ليس فى الالتزام بإجراء الانتخابات التشريعية فى موعدها المقرر (بحد أقصى 30 سبتمبر وفقا للإعلان الدستورى المستند للاستفتاء الشعبى الذى لم يشكك أحد فى نزاهته) فحسب, بل بتحديد موعد نهائى وثابت للانتخابات الرئاسية، بل وأيضا بتبكير هذه المواعيد قدر الإمكان . فأرى مثلا أن تجرى الانتخابات التشريعية بعد قرابة شهرين من الآن (فى أول أغسطس مثلا) وعدم الانتظار لآخر شهر سبتمبر. لأن الحكومة الراهنة برهنت على حالة واضحة من الفشل فى إدارة البلاد فى المرحلة الانتقالية خاصة فى المجال الاقتصادى، فالحكومة لا تزال تنطوى على عدد كبير خاصة فى المجال الاقتصادى على وزراء من العهد السابق لا يعرفون رؤية لإدارة البلاد إلا بنفس المنهج الذى أورد البلاد مورد التهلكة، وهم وزراء التعاون الدولى والمالية والزراعة والكهرباء والإنتاج الحربى على سبيل المثال. ورئيس الوزراء الذى عولنا عليه كثيرا لا يبدو أنه ملائم لهذه المهمة التاريخية الانتقالية لنقص فى الخبرات السياسية والمعرفة الاقتصادية، مهما حسنت النوايا. وليس من المصلحة الدخول فى صراعات حول إسقاط الحكومة أو المطالبة بمرحلة انتقالية من نوع جديد كمجلس رئاسى مدنى لا ندرى من سيختاره وبأى صفة أو مشروعية؟! ولن تستقر البلاد ونحن نسعى للانتقال من حكم انتقالى إلى حكم انتقالى آخر وكأن البلاد بعد هذه الثورة العظيمة التى برهنت على نضج الشعب المصرى عاجزة عن إيجاد نظام دائم لإدارة البلاد. وكأننا يجب أن نظل فى متاهات دائمة بدون مبرر. والواقع أن إدارة المجلس العسكرى للمرحلة الانتقالية معقولة بالحد الأدنى وهى كافية رغم أى ملاحظات، للانتقال بالبلاد إلى بر الأمان.
والعجيب أن البعض يحاول معارضة نتيجة الاستفتاء، وهذا أقصر الطرق لجهنم، فماذا بعد رأى الشعب الذى ظهر فى نتيجة الاستفتاء، وهو أعلى سلطة فى البلاد. والعجيب أن كثيرا من الذين تحدثوا كثيرا عن الديمقراطية هم الذين يطالبون بتأجيل الديمقراطية (الانتخابات)، وهذا ضرب لأبسط معانى الديمقراطية بالحديث عن ضرورة الاستعداد لها وأن البلاد غير جاهزة لها، وأن الإسلاميين قد يصلون - والعياذ بالله!! - إلى السلطة. ألم يلاحظ هؤلاء أنهم يرددون نفس عبارات ومنطق الرئيس المخلوع على مدار 30 عاما ويرددون عبارات ومنطق جنرالات الجيش الأتاتوركى سابقا فى تركيا!! ألا يلاحظوا أنهم يستهزئون بالشعب المصرى الذى أنجز واحدة من أروع ثورات التاريخ فى مصر والعالم. وهل الشعوب الأوروبية والآسيوية واللاتينية التى انتقلت فورا من الديكتاتورية إلى الديمقراطية أكثر تحضرا من الشعب المصرى. ألم يروا أن الشعب المصرى انتخب بنضج وموضوعية فى أى انتخابات حرة نسبيا فى عهد مبارك، وعبر العصور الماضية. لا شك أن العداء للإسلام وللإسلاميين هو السبب الجوهرى بل المعلن بالفعل لاتخاذ هذا الموقف الشاذ من دعاة الحرية المفترضين، تجاه الانتخابات المسكينة التى أصبحت فى عرفهم الخطر الرئيسى على الثورة!!. ثم إذا كانت توقعاتهم أن الإسلاميين سيحصلون على القسم الأكبر من مقاعد المجلسين التشريعيين وربما رئاسة الجمهورية، وبالتالى على القسم الأكبر من مقاعد الجمعية التأسيسية، فإن ذلك يعكس توقعاتهم لاختيار الشعب فى انتخابات حرة نزيهة، إذن فإنهم يعارضون اختيار الشعب، ويخشونه ويرون أن الشعب المصرى قاصر ويحتاج إلى إعادة تربية، وهذا للمصادفة المرة نفس رأى مبارك وأعوانه ونفس رأى الإدارة الأمريكية والإسرائيلية. لقد استمر مبارك يطرح نفسه للداخل والخارج باعتباره بديلا للإسلاميين الأنذال، وهذا مفهوم منه، ولكنه لن يكون مقبولا من بعض المشاركين فى الثورة.
إننا نطالب بالاحتكام فى أسرع وقت ممكن للشعب وإنهاء تسليم السلطة للمدنيين قبل انتهاء هذا العام، فمصر لن تتقدم إلا بالقضاء المبرم على الاستبداد وتحويل النظام السياسى إلى نظام مؤسسى تحكمه الشورى ورقابة الشعب، مصر لن تبدأ مرحلة الاندفاع بقوة نحو البناء إلا بسرعة الانتهاء من الحالة الانتقالية، وبقطع كل الحبال التى ما تزال تشدنا للعهد البائد: الخوف من الإسلام والإسلاميين، تسول القروض والمعونات من أمريكا والغرب، وضع رأى أمريكا وإسرائيل فى الحسبان لدى اتخاذ القرارات الوطنية، الحديث عن المصالحة مع كبار المفسدين فى الأرض والقتلة باعتبارهم رجال أعمال!! وكأن مصر لا يوجد بها رجال أعمال إلا هؤلاء اللصوص الذين لا خبرة لهم إلا فى استغلال علاقتهم بالسلطة للحصول على أموال بصورة غير شرعية، إقامة علاقات مع الأشقاء على العرب على قاعدة التسول، لا التعاون الندى والسعى لتأسيس سوق عربية مشتركة.. إلخ.
الشعب المصرى لم يقم بثورته من أجل الاستمرار فى هذه السياسات المشينة, بل ليندفع بوطنه إلى معارج التقدم التى يستحقها بين الأمم.
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار
الخزى والعار لمبارك وأعوانه وفلوله
النصر لشعب مصر وثورتها المجيدة
No comments:
Post a Comment