شريط أخبار موقع حزب العمل الإسلامى

Tuesday, March 22, 2011

لماذا حزب العمل؟ (4) العروبة والإسلام



الفتح العربى الإسلامى لم يكن استثناءا فى تاريخ مصر وحدها, بل فى كل البلاد العربية، فهو لم يكن احتلالا أو عدوانا, ولا محاولة للاستيلاء على ثروات أمم أخرى، ولا محاولة لفرض العقيدة الإسلامية بالقوة، بل كان فى مضمونه فتح الطريق للدعوة الإسلامية فى هذه البلدان والتخلية بين هذه الشعوب وخياراتها العقائدية، دون إكراه. وكان الفتح العربى فى مضمونه صراعا مسلحا مع القوة الرومانية المحتلة لهذه البلدان، وليس مع شعوب المنطقة، بل إن تعاطف الشعوب مع القادمين العرب وبسمعتهم التى سبقتهم فى التسامح واللين والعدل والإحسان والزهد فى الحياة الدنيا، تعاطف الشعوب فى بلاد الشام ومصر وشمال إفريقيا هو الذى سهل الفتح العربى الذى حقق إنجازات كبرى فى مواجهة قوة عظمى (كالإمبراطورية الرومانية) فى سنوات قليلة.
كان الوافد الأخير الذى غير الشخصية المصرية من خارجها هو الدين، ورغم أن تاريخ مصر شهد الرسل والأنبياء إلا أن الراية كانت قد سلمت للسيد المسيح عليه السلام، والذى سلمها بدوره لمحمد صلى الله عليه وسلم. وهكذا فإن آخر رسالتين من السماء لم تنشأ فى مصر, ولكن على حوافها وارتبطتا بمصر بأواصر شتى. ومن الطبيعى أن تتلقفهما مصر المتدينة، فأول صفة فى الشخصية المصرية هى التدين، والسائد فى هذا الحديث ما يقال كثيرا عن العقائد الفرعونية والتى حتى وإن أخذت شكل تعدد الآلهة والشرك، إلا أنها كانت تؤمن بالحياة الآخرة إيمانا يقينيا انعكس فى كثير من الممارسات التى نرى آثارها حتى الآن من تحنيط ووضع احتياجات الميت معه، وبناء المعابد والمقابر بالأحجار، وبناء القصور الملكية وبيوت المواطنين بالطين، ولذلك لم تبق لنا إلا المعابد والمقابر. ولكن الدين الحق دين التوحيد لم يأخذ حقه لدى المؤرخين والأثريين الذين اهتموا بالتاريخ المصرى القديم، ونحن نعلم يقينا ومن نص القرآن نشأة سيدنا موسى عليه السلام فى مصر, ودوره مع الفرعون, وهذه أكبر قصة فى القرآن الكريم (تمثل جزءا من 14 جزءا من القرآن الكريم)، ونعلم قصة سيدنا يوسف، كذلك تشير الروايات إلى ارتباط إدريس وأيوب بمصر, ونعلم بمرور سيدنا إبراهيم بمصر وزواجه من هاجر.
مصر إذن ركن أساسى للدين والتدين فى المنطقة, بل فى العالم بأسره. ويطابق المسيحيون والمصريون بين تاريخ كنيستهم ومجىء أحد حوارى المسيح لمصر، ورغم أن المسيح كان شاميا أو فلسطينيا, إلا أن الشعب المصرى هو الذى حمل لواء العقيدة، ولم يشهد الشرق مذابح بنفس الحجم والنطاق التى مارسها الرومان الوثنيون على المسيحيين المصريين, والعجيب أن مذابح أخرى لا تقل هولا قد مارسها الرومان على المسيحيين المصريين بعد إعلان روما تبنى المسيحية، ولكنها تبنت المسيحية بمذهب مختلف, وأرادت فرضه بالقوة على مسيحى الشرق. ولم ينعم المسيحيون فى مصر بحرية العبادة إلا فى العهد العربى - الإسلامى. ولم تصبح غالبية الشعب المصرى مسلمة إلا فى العام 380 الهجرى (فى عهد أحمد بن طولون) وهذا أكبر دليل على أن التحول للإسلام تم بصورة طوعية وتدريجية، وهذه ممارسة لم تكن معروفة فى العالم (خاصة فى أوروبا)، فقد كانت القاعدة أن (الناس على دين ملكهم) ومن لا يدخل دين الملك يُقتل!
كذلك فإن التحول للغة العربية تم بصورة تدريجية، وقد كان انتشارها فى مواجهة اللغة اليونانية.
وكان التدفق العربى الأهم هو تدفق أفراد وأجزاء من قبائل عربية، التى انداحت فى مصر ثم فى شمال أفريقيا، وهذا ما صنع حالة فريدة من الغسيل الدموى، وتمازج عرقى بين العرب وأهالى البلدان العربية (أو التى أصبحت عربية)، ولا شك أن التاريخ يسجل هجرات عربية قبل الإسلام، ولكنها لم تكن واسعة النطاق، ولم تكن تحمل رسالة، لذلك لم تترك بصمات تاريخية مؤثرة يمكن مقارنتها بالفتح العربى - الإسلامى الذى أدخل المنطقة فى مرحلة جديدة تماما. وبعد أن كانت العروبة قاصرة على الجزيرة العربية، وأطراف الشام والعراق تمددت لتمثل ما نسميه الآن الوطن العربى، وقد كان الإسلام هو خالق وموجد القومية العربية، وهذه علاقة فريدة بين نشأة قومية ودين محدد، وكانت اللغة العربية الأداة الموحدة. وهذا العرض التاريخى المختصر يوضح النشأة الطبيعية المتداخلة بين مصر والعروبة والإسلام، فنحن لا نصطنع نظريات فى المعامل أو الغرف المغلقة، بل هذه الوشائج نسجت على أرض الواقع, وعبر قرون متواصلة من الزمان، فكما حملت مصرلواء المسيحية، حملت لواء الإسلام, وعلى مدار مئات الأعوام كانت الركن الركين الذى صد غزوات الصليبيين حتى هزيمتهم، ومصر من دون العالمين هى التى أوقفت المد المغولى الجاهلى.
مصر التى اختارت المسيحية ثم الإسلام، مصر المتدينة وجدت نفسها فى الرسالات السماوية، ووجدت أهم ما فى شخصيتها وهو البحث عن الله، وعن الغيب وعما وراء الطبيعة، وما وراء الموت. مصر التى كانت دائما مهمومة بهذا السر الإلهى، بهذه الحقيقة الأولى والعظمى التى تهون دونها باقى الحقائق والموضوعات والمسائل. لم يفرض عليها أحد عقيدة المسيح، بل هى دخلت مصر بدون جيوش ولا قوات ولا دول, دخلت عبر الاسكافى (من حوارى المسيح)، ومصر لم تدخل الإسلام عبر جيوش جرارة، بل جاء عمرو بن العاص ومعه 4 آلاف جندى, ولولا تعاون المصريين معه ما تمكن من هزيمة الرومان بهذه السهولة. وقد كان الباعث المباشر لفتح مصر، تأمين الشام التى حررت من الرومان، خوفا من قيام الرومان بإعادة غزوها من قواعدهم فى مصر. ورأينا كيف كان التحول للإسلام بطيئا (طبيعيا), مصر إذن وجدت نفسها فى المسيحية ثم فى الإسلام. ومصر أصبحت عربية اللسان والثقافة والشخصية, بل قائدة فى محيطها العربى، ولذلك فإن الوحدة العربية هدف منطقى وبديهى، فأى دولة لا تعيش إلا فى محيطها الطبيعى، وقد سعت البشرية دوما إلى التجمعات الكبيرة وليس فى العهد الحديث فحسب، لأن المجتمع الأكبر يعنى ثروات وإمكانيات أكبر وقوة أكبر. ولكن فى التوسع الاستعمارى عبر الاغتصاب والقهر لقوميات وأمم أخرى كان مآله الفشل، أما التوسع على أساس ضرب التجزئة وتوحيد القومية الواحدة، فهو الذى يستقر وينجح، فالوحدة الألمانية والإيطالية استقرت ونجحت. وكذلك الوحدة الصينية التى تحكمها قومية كبرى أساسية.
وقد عاشت الأمة العربية منذ صدر الإسلام فى أغلب الأحوال موحدة تحت راية دولة واحدة، وربما تعرضت للانقسام إلى دولتين أو أكثر، ثم يعاد توحيدها من جديد. ومن مصلحة مصر والعرب إعادة بناء هذه الدولة العربية الموحدة مستفيدين من خبرات البشرية فى إقامة نظم اتحادية وكونفدرالية ومختلف أشكال التوحد الاقتصادى. ورغم أننا نسعى للوحدة الإسلامية أيضا عبر مختلف هذه الأشكال، ولنا فى تحالفات الغرب عبرة (الناتو - الإتحاد الأوروبى - النافتا - مجموعة السبعة)، إلا أنه من المنطقى والطبيعى أن تكون الوحدة العربية أسهل وأقرب، ليس بسبب الجوار الجغرافى الذى يكاد يشكل وحدة جغرافية مكتملة متصلة دون انقطاع، ليس بسبب التواصل الجغرافى فحسب، ولكن أيضا وأساسا بسبب اللغة والثقافة المشتركة والوحدة الدينية للأغلبية الساحقة، والتاريخ المشترك، ووحدة المصير والتحديات المشتركة فى العصر الراهن.
ومما يؤسف له أن الدول العظمى أقل انسجاما منا بكثير من حيث التوحد القومى, ولكنها أنشأت وحدة مستقرة: الولايات المتحدة الأمريكية - الاتحاد السوفيتى الذى تحول الآن إلى الاتحاد الروسى - الصين - الهند - بالإضافة لنزعة التوحد من خلال التجمعات الاقتصادية فى جنوب شرقى آسيا - وفى أمريكا اللاتينية. وبالمقارنة بكل هذه الدول والتجمعات، فإن الوطن العربى هو الأكثر انسجاما بما لا يقاس إلى حد انتمائه لقومية واحدة هى القومية العربية بنسبة 95% من السكان.
إن عدم إقامة وحدة عربية هو أكبر تبديد وتحطيم لحاضر ومستقبل وإمكانيات هذه الأمة، ولا شك أن القوى العظمى فى العالم لا ترحب بذلك، لأن الوحدة العربية ستؤدى إلى إقامة دولة عظمى جديدة تحافظ على ثرواتها وتنميها لمصلحتها، وتبعد القوى الأخرى التى تنهبها، بل تزاحمها فى أنحاء العالم المختلفة.
والدائرة الإسلامية الأوسع التى تمتد حتى إندونيسيا شرقا. هى الهدف التالى - والموازى فى نفس الوقت - لبلادنا. فمصر بموقعها وثقافتها وحضارتها أحد الأركان الأساسية للعالم الإسلامى. ولا تقوى مصر إلا بتقوية روابطها مع العالم الإسلامى (بعد العربى) ونتيجة لحالة التدهور الاستثنائى التى تعيشها مصر، فقد سبقت إيران وتركيا وسارتا فى هذا الطريق. ومن الملفت للانتباه أن تركيا فى عهد نجم الدين أربكان هى التى طرحت فكرة الثمانية الكبار كنواة لسوق إسلامية مشتركة (تركيا - مصر - إيران - إندونيسيا - نيجيريا - باكستان - ماليزيا - بنجلادش) واقترحت إصدار عملة جديدة (الدينار الإسلامى)، ولكن النظام المصرى استجاب لهذه المبادرة بصورة شكلية. وتركيا الآن تقوم بتنفيذها بصورة عملية من خلال إلغاء التأشيرات وخلق أسواق مشتركة: مع الأردن ولبنان وسوريا والعراق وإيران وليبيا. والحقيقة فإن تركيا وإيران وماليزيا تعمل فى هذا الفضاء بانطلاق وتوسع غير عادى، لأن المنطقة: العربية والإسلامية منطقة فراغ، لا توجد بها تكتلات اقتصادية حقيقية، أما باقى الأمم والقارات فهى منتظمة فى تجمعات إقليمية جادة على أسس سياسية واقتصادية.
الوحدة العربية والإسلامية فريضة من الناحية العقائدية الإسلامية، ولكنها فى ذات الوقت هى عين وذروة المصلحة لمصر وللعرب والمسلمين، وسنجد دائما فى هذا البرنامج الإسلامى هذا التزاوج الطبيعى بين ما يدعو إليه الإسلام وما هو مصلحة دنيوية وأفضل الحلول العملية. فالجميع يتحدث الآن عن التكتلات الكبيرة باعتبارها صيحة العصر. وهذه دعوة الإسلام منذ أكثر من 14 قرنا، وأقيمت الدول العربية الإسلامية العظمى فى مواجهة إمبراطوريات الغرب والشرق. وكانت هى القوة الاقتصادية العالمية الأولى (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ).
وبطبيعة الحال فإن الأمة التى لا تتوحد ولا توحد قواها تداس بالأقدام، ولذلك تجد المنطقة العربية من أسوأ مناطق العالم فى مؤشرات التنمية، وكذلك معظم البلاد الإسلامية عدا بعض البلدان الرائدة التى أشرنا إليها. ومفهومنا للوحدة العربية والإسلامية يتسع لكل أشكال الوحدة والاتحاد, ولا يلغى الشخصيات الوطنية أو القومية للبلدان والأمم، وهى فى كل الأحوال لن تكون دولة مركزية صارمة، بل ستتسم بطابع اللامركزية فى العديد من المجالات، وأشكال الوحدة والتوحد والاتحاد فى الغرب تقدم لنا خبرات معاصرة مهمة تؤكد وحدة الإرادة السياسية فى القضايا الكبرى، والتنوع الشديد فى السياسات المحلية داخل كل بلد على حدة.
ولابد أن نؤكد أن مفهوم الوحدة العربية والإسلامية لا يعنى بالضرورة التطور السُّلمى، أى توحيد كل البلاد العربية أولا، ثم توحيد البلاد الإسلامية ثانيا، فعملية التوحد قائمة بالأساس على انتزاع حرية اتخاذ القرار وممارسة الإرادة السياسية (الاستقلال) والدول التى تحقق ذلك يتعين عليها أن تتقارب بصورة أكبر وأسرع، وقد تنشأ الوحدة بين دول عربية ودولة إسلامية قبل أن تنشأ الوحدة بين بلدين عربيين, وتجارب الواقع أثبتت ذلك، فها نحن نرى تشابك العلاقات ونموها بين سوريا وتركيا وإيران بصورة أكبر من العلاقات بين الدول العربية وبعضها البعض.
إن رؤية حزب العدالة والتنمية التركى فى مجال خلق السوق الإسلامى والسوق العربى الإسلامى المشترك فى المجال الاقتصادى، حتى فى ظل وجود الخلافات السياسية بين الأنظمة العربية والإسلامية باعتبار أن المصلحة الاقتصادية المشتركة مصلحة إستراتيجية للجميع فى حد ذاتها، كما أنها ستساعد على التقارب السياسى على المدى الأطول. هذه الرؤية هى الرؤية التى يروج لها حزب العمل الإسلامى فى مصر منذ سنوات طويلة، ولكن حكام البلاد اختاروا الانحياز البليد لأمريكا وأوروبا كتابع يقوم بتصدير بعض المواد الأولية. والواقع أن تركيا التحقت كما ذكرنا بالخط الذى تنتهجه إيران وماليزيا فى هذا المجال.
وهكذا فإن رؤى وأفكار حزب العمل تحققت فى الواقع العربى الإسلامى، وبصورة متزايدة، وتخلف النظام المصرى عن مواكبة هذا الاتجاه التوحيدى العربى - الإسلامى يؤكد صواب وجهة نظرنا, ولأن السياسية الرسمية المصرية أدت إلى المزيد من خروج مصر من المنافسة الحضارية العالمية، بينما أصبحت بلدان مثل تركيا وإيران وماليزيا فى بؤرة العراك الاقتصادى والحضارى والعالمى، وتلاحقهما فى مستوى أقل إندونيسيا ونيجيريا.
إن الصراع بين الأمم صراع لا يعرف الهوادة، ولن تساعد أمة أمة أخرى كى تسبقها، لذلك فإن قوة كل أمة تكمن أساسا فى توحيد قواها الخاصة، وتفجير طاقات الإبداع من داخلها وتعاون الأخوة والأقارب لمواجهة منافسة الآخرين، حتى تتمكن من الوصول إلى علاقات دولية عادلة فى مختلف المجالات السياسية والاقتصادية.
وهكذا - كما ترون - نحن لا نسعى لهندسة فكرية فى الفراغ، ولكننا نهندس الوقائع القائمة بالفعل على أرض الواقع.
مجدى أحمد حسين
*****
المقالات الكاملة لمجدى حسين:


No comments:

Post a Comment