
عرس الديمقراطية فتح الباب لتسليم السلطة لمدنيى الثورة
تعالوا نبدأ البناء.. ونحافظ على وحدة الثورة بكل ألوان طيفها (مجدى أحمد حسين)
باعتبارى من دارسى تاريخ مصر، أقول بارتياح وبدون أدنى مبالغة: إن التصويت على استفتاء 19 مارس 2011 عرس ديمقراطى لم يشهده تاريخ مصر منذ عهد مينا!! فلاشك أن الشعب المصرى تمكن مرارا عبر التاريخ من اختيار حكامه عبر ثورات شعبية، ولكنه لم يمارس عملية التصويت بشكل نظامى أبدا. وأعلم أن تصويت السبت الماضى لم يكن لاختيار الحكام مباشرة ولكن لمجرد فتح الطريق لذلك ولكن هذا مؤشر واضح على عزم الشعب على ممارسة حقوقه المضيعة واستعادة أصواته التى كانت تزور أمامه وفى وضح النهار. فالآن أصبحت الملايين تصوت وتحرس الصناديق مع القضاة ولتنفذ إرادتها الحرة من خلال ذلك. وخلال أسابيع ستخرج جماهير 25 يناير التى هى ذاتها جماهير مصر كلها لتنتخب ممثليها فى البرلمان ورئاسة الجمهورية، وليصبح للثورة لأول مرة منذ اندلاعها قيادة شرعية منتخبة. فالثورة كانت بقيادة الشعب المصرى كله فى مرحلة القضاء على حكم الطاغية ثم فى مرحلة القضاء على حكومة ذنبه، شفيق. ولكن الأمر ما كان له أن يستمر على هذا المنوال ونحن على أعتاب مرحلة البناء، فلابد من قيادة منتخبة تمثل الثورة لإدارة البلاد وتظل فى ذات الوقت تحت الرقابة الشعبية اليقظة.
ولابد من الوصول فى أقرب وقت لانتخاب الجمعية التأسيسية لصياغة دستور جديد للبلاد يعبر عن مبادىء ثورتنا العظيمة.
أقول عرس ديمقراطى لأنى كبحت دموع التأثر والفرح وأنا أرى الكبير والصغير، الرجل والمرأة، المعافى والمريض المعاق يزحفون فى صمت وهدوء وحبور ليدلوا بأصواتهم، فقد رأوا أخيرا أن صوتهم مهم، وأنهم جميعا شركاء فى الوطن، وأن مصير الوطن أصبح فى أيديهم. أحببتهم جميعا ولم أسأل أحدا هل سيصوت بنعم أم لا؟ ولم أعبأ بذلك، وعندما وصلت إلى ورقة التصويت نسيت لوهلة موضوع التصويت!! وأخذت أقدح ذهنى محتارا بين نعم ولا. لأن أصل الموضوع قد تحقق فقد عادت مصر المخطوفة إلى أهلها، وعاد أهل مصر إلى صدرها الحنون الذى حرموا منه لعقود. وبعد عدة ثوان من الذهول أمام ورقة التصويت، ذكرت نفسى أننى جئت للتصويت بنعم لأنى رأيت فى ذلك الحل الأفضل للأسباب المشار إليها عاليه.
أما الآن فلنجعل الخلاف حول التصويت وراء ظهورنا، ولنواصل مسيرة الثورة ولكن بأساليب مختلفة تتوافق مع مرحلة البناء. والبناء الديمقراطى فى القلب من ذلك. وعلى رأس أولوياتنا الآن أن تأتلف كل قوى الثورة بمختلف أطيافها، وطوائفها وأجيالها، ولنجلس جميعا معا للتوافق على مرشح واحد للثورة فى كل دائرة انتخابية (أو مرشحين اثنين إذا كان الانتخاب لاثنين: فئات وعمال وفلاحين) لمواجهة أى مرشح أو مرشحين لفلول الحزب البائد. وليأتى مجلس الشعب صورة مصغرة وممثلة لميدان التحرير وسائر ميادين المحافظات. وبهذا الأسلوب نحافظ على تمثيل مختلف الاتجاهات وعلى تمثيل المسيحيين، دون تغول من أى اتجاه، ولنشارك معا فى صياغة دستور جديد يليق بمصر وثورتها المجيدة. والنجاح الحقيقى للثورة أن تظل تحافظ على هذه اللحمة ليس فى مواجهة فلول النظام فحسب بل فى مواجهة القوى الخارجية التى لا تريد لمصر الخير. كما أننا فى أمس الاحتياج لهذه اللحمة ونحن مقبلون على معركة البناء والتنمية الكبرى لإعادة مصر إلى المكان الذى تستحق تحت شمس الحضارة. ولنتعلم جميعا كما علمتنا الثورة أن نختلف دون خصومة وأن نتنوع بمحبة، وأن تتباين رؤانا ونحن نسير فى نفس الطريق ونسعى لذات الهدف: رفعة مصر. كما أن لدينا معركة كبرى مع الفقر لنقتله (لو كان الفقر رجلا لقتلته)، لدينا معركة كبرى نخوضها من أجل الاغتراف من بحور العلم والتكنولوجية. ولدينا معركة مستمرة من أجل مواصلة تطهير البلاد. ولكننى أعود فأكرر: لابد من كبح جماح الإضرابات الفئوية لأن الأوضاع الاقتصادية لن تتحسن بالقطعة ولكن بالجملة، ولابد من إعطاء فرصة لرئيس الوزراء الوطنى المنتخب عمليا من الشعب فى ميدان التحرير. ولابد من استخدام آليات مختلفة للتعامل مع هذه الحكومة، كالحوار من خلال الوفود أو تقديم الطلبات فيما يتعلق بالأمور العاجلة التى لا تحتمل التأجيل. ولابد للثوار أن يدركوا أنهم بدأوا يمثلون تدريجيا فى السلطة من خلال رئيس الوزراء وكثير من وزرائه، ومن خلال تولى المستشار والمفكر المحترم طارق البشرى للجنة تعديل الدستور، والتى إن اختلف حولها فلا أعتقد أنه يوجد خلاف حول قيامه الآن بصياغة قانون الأحزاب ليصبح تأسيسها بالإخطار، وصياغة قانون الأزهر الذى يتيح انتخاب شيخ الأزهر. وقد كان ذلك من أهم مطالب الثورة. وأذكر القوى الوطنية أنها كانت ترشح طارق البشرى لرئاسة الجمهورية وهو الذى كان يرفض ويؤكد أن دوره ينحصر فى التأريخ والقانون والفكر. لابد أن يتعود الثوار ويدركوا أنهم أصبحوا تدريجيا شركاء فى السلطة مع المجلس العسكرى، وأن مسلك الثوار مع الحكومة لابد أن يختلف، وأن يتسم بالتفاعل الإيجابى. أعلم أن الثورة انتزعت حقوق الإضراب والتظاهر والاعتصام والوقفات. ونحن لا ندعو للتخلى عن هذه الحقوق أو التفريط فيها. ولكننا ندعو إلى ترشيد استخدام الحقوق بالإقناع والاقتناع الذاتى. ومن مصلحة الثوار أن يروا أن جهادهم أنقذ البلاد، ومن مصلحة الثوار أن تعود البلاد إلى حالتها الطبيعية المستقرة لأن مهام الإصلاح والبناء ثقيلة بل هى أصعب عمليا من مرحلة هدم النظام البائد الذى هبط ببلادنا إلى ما دون الصفر. إن الاندفاع فى عملية البناء لا يعنى التخلى عن مهمة التطهير، فهذه لابد أن تتواصل جنبا إلى جنب.
ألف مبروك لكل مصرى ومصرية. فالزمام أصبح فى أيدينا جميعا.
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار
الخزى والعار للطاغية وأعوانه
النصر والحرية والديمقراطية لشعب مصر العظيم
20 مارس 2011
No comments:
Post a Comment