شريط أخبار موقع حزب العمل الإسلامى

Tuesday, March 8, 2011

لماذا حزب العمل؟ الحلقة الثانية: الإيمان بالله


تنطلق رؤيتنا السياسية من الإيمان بالله عز وجل، ونرفض المقولة التى يشيعها البعض, والحكام على رأسهم أن (الإيمان مجرد قضية شخصية بين الإنسان وربه)، فرغم أن الإيمان بالله حقا يبدأ بتصديق القلب بهذه الحقيقة الأولى، بين كل مؤمن على حدة وربه، وأن هذه العلاقة تظل بالنسبة للمؤمن شخصية وخاصة جدا ولا يطلع على مستواها وعمقها إلا الله وحده (وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) (النساء: 25), (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل: 125).
وليس لأحد فى الدنيا أن يقيم إيمان وتقوى شخص آخر (فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (النجم: 32) فقد يتجنب الإنسان ارتكاب الشر خوفا من القانون, أو خوفا من الفضيحة, أو خوفا من العواقب, وليس خوفا من الله. وهذا الأمر لا يقدره إلا الله. وهناك من يفعل الخير لنية الشهرة والمجد والتفاخر, أو الحصول على مكاسب مادية فى نهاية المطاف، وهذه أمور لا يقدرها إلا الله. فالله وحده هو العليم بذات الصدور

ولكن فى علاقة المؤمنين بعضهم ببعض فليس لهم إلا الظاهر، وبشكل عام فإن الصالحين يكتشفهم الناس على المدى الطويل، لأن المنافق لابد أن ينكشف يوما ما, بصورة أو بأخرى, خاصة فى المنعطفات والأزمات الكبرى, وأيضا فى عدم استقامتهم فى القول (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ الْقَوْلِ) (محمد: 30). واكتشاف الصالحين من الطالحين مسألة مهمة لتنظيم المجتمع فى صورة رشيدة واعتمادا على الأولين وعزلا للآخرين بناء على السلوك العملى المكشوف للجميع، وليس من خلال تتبع الضمائر ومحاولة قياس الإيمان، فليس للمؤمن أن يحاسب أخيه على درجة إيمانه ولكن على ظواهر سلوكه. فليس الإنسان قاضيا لأخيه الإنسان فى مسألة الإيمان، وهى مسألة قلبية فى المقام الأول.
ولكن حقيقة الإيمان لا يمكن أن تتوقف عند هذا المستوى وإلا ما اكتملت، فكيف نؤمن بالله دون أن نؤمن بـ (مَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) كيف نؤمن بالله، ونتجاهل تعاليمه وتوجيهاته وأوامره، كيف نؤمن بالله ونتجاهل شرائعه وما يدعونا إليه، كيف نؤمن بالله، ونعرض عن القرآن والسنة.
لو فعلنا ذلك لكان إيماننا كإيمان الأوروبيين الذين يذهبون إلى الكنيسة مرة واحدة فى الأسبوع, وهذه علاقتهم الوحيدة بالله، بل لا يذهب أكثر من 50% منهم للكنائس ولا لمرة واحدة. وهكذا فإن الذى يطالب المؤمن بأن يكتفى بعلاقة شخصية مع الله، ثم لا يتحدث عن الله فى أمور الحياة والمجتمع، فكأنه يطالبه بالخروج من دينه. فالله سبحانه وتعالى أرشد المؤمنين, ووضع لهم قواعد لتنظيم العلاقات فيما بينهم فى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدولية, يتعين عليهم الإيمان والعمل بها, والدعوة إليها إذا كانوا مؤمنين حقا.
فالدين الحق يبدأ بإصلاح الفرد, ويستمر عاملا على هذا المحور أبدا، ولكنه يحض فى ذات الوقت على إصلاح المجتمع، بل إن إصلاح المجتمع هو الهدف الاسمى للمؤمنين فى الدنيا كإعداد واختبار للآخرة.
والمجتمع القائم على الإيمان بالله هو أكثر تحضرا وتراحما ورقيا من مجتمع قائم على المادة وحسابات المكسب والخسارة بالمعنى الفردى بحثا عن اللذة التى أصبحت هى معيار الصواب والخطأ فى الفئات الغربية, وبهذا المعنى فإن الإيمان بالله ليس مسألة فرعية، ولا يمكن أن تتوقف عند حدود الإيمان الفردى لأشخاص معزولين بلا هدف إصلاحى جماعى. إن الإيمان بالله كخالق لهذا الكون إذا أخذه المؤمن مأخذ الجد لابد أن يكون الحقيقة الموجهة لكل حياته، وإلا فإن أى موضوع أو مسألة أخرى تصبح بلا معنى أو أهمية إذا لم تكن مرتبطة بهذه الحقيقة الكلية (قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاى وَمَمَاتِى لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام: 162).
والمجتمع الذى يسوده الإيمان بالله تنحسر فيه الانحرافات والجرائم إلى الحد الأدنى، ولا نقول أنها تنتهى أو تزول، فسيظل الإنسان عرضة دائما لوسوسة الشيطان، وإغراءات الحياة الدنيا.
ولكن المجتمع المؤمن تزيد فيه مساحة الالتزام الأخلاقى خوفا من الله وليس خوفا من القانون أو الشرطة أو العواقب.
يقبل المؤمن على الإنفاق فى الخير تقربا إلى الله, وكثيرا ما يكون ذلك سرا، وليس من أجل أن تنشر صورته فى الصحف، أو تمهيدا للحصول على منصب ما. وأيضا فى المجتمعات المؤمنة تقل نسبة الجريمة, ولا نحتاج لشرطى فى كل شارع وأمام كل بيت (فلا تكفى أكبر قوة ممكنة للشرطة لحفظ الأمن) لأن الجرائم تتراجع فى المحل الأول بسبب رادع داخلى, وهو الخوف من الله وحساب الآخرة. والمجتمع المؤمن هو مجتمع التكافل والتراحم الذى لا يترك الناس يفتنون فى دينهم بسبب الفقر وتأخر أو تضرر الزواج، وهذا مصدر لكثير من الجرائم والانحرافات.
الإيمان بالله يخفف للحد الأقصى (ولا نقول ينهى تماما) حدة الصراع حول المكاسب الدنيوية، والصراع المميت من أجل المال - بدون ضوابط - على حساب الآخرين، الإيمان بالله يشذب النزوع الأنانى، ويعزز الاهتمام بالمجموع. والإيمان بالله يردع عن العدوان على أرواح وأعراض وأموال الناس. وتظل هناك بعد كل ذلك فئة مارقة أو خارجة تستحب الانحراف على الإيمان.
والإسلام يحمى المجتمع من هؤلاء بالحدود، بالقانون الرادع. فالإسلام يتعامل مع حقيقة الإنسان كما هى ولا يدعو إلى (المدينة الفاضلة) أو (مدينة الله) التى وردت فى الفكر الغربى، إذا كان معنى هذه المدينة أنها ستكون خالية من الآثام والعيوب والانحرافات. ولكنه يعالج هذه الميول بتقوى الله، وما يتبقى بعد ذلك من انحرافات (بمعنى التعدى على الآخرين) يعالج بالقانون وفقا للقاعدة (إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن).
إذن حزب العمل يختلف عن باقى الأحزاب السياسية فى أنه يضع الإيمان بالله فى صدر برنامجه, فالإيمان بالله هو المبتدأ, وهو المنتهى, وهو غاية وجودنا كله. والقول بأنه لا سياسة فى الدين ولا دين فى السياسة، هو قول جاهل بالدين أو سيئ النية معاد للدين، وسنوضح فى الحلقات القادمة الرؤى السياسية والاجتماعية والاقتصادية فى الإسلام, التى هى منهج كامل للحياة، من واقع نصوص القرآن والسنة المؤكدة، وهو أمر لا خيار لنا فيه إن كنا مؤمنين (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْى فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة: 85).
وسنبين أنه بموازين العقل فإنه أفضل برنامج للإصلاح ليس لمصر وحدها بل للبشرية جمعاء. وهذا إيماننا.
مجدى أحمد حسين
*****
المقالات الكاملة لمجدى حسين:

No comments:

Post a Comment