شريط أخبار موقع حزب العمل الإسلامى

Sunday, March 20, 2011

لماذا حزب العمل؟ الحلقة الثالثة: مصريون



إننا (شعب مصر): مصريون - عرب - مسلمون، ولا نرى تعارضا بين هذه السمات الثلاث, بل نراها متكاملة غير متعارضة أو متعادية. والشخصية المصرية هى جماع لهذا المزيج بين الأبعاد الثلاثة، وأى استبعاد لأى بعد من هذه الأبعاد يشوه فهم الشخصية المصرية، ويعكس عدم إدراكها على النحو الصحيح. وليس المقصود بذلك وضع العقيدة الإسلامية بالتساوى مع المصرية أو العروبية، فالعقيدة الإسلامية هى مرجعية هذه الأمة، بينما لا توجد نظرية أو عقيدة مصرية أو عروبية. ولكن المقصود أن مصر جماعة وطنية لها تاريخها وخصائصها, ولها استقلاليتها عن باقى الجماعات الوطنية, ولها مصالحها الخاصة وحضارتها المتميزة، ولابد من فهم هذه الشخصية الضاربة فى عمق التاريخ للتعامل معها, وتطويرها إلى الأمام. وقد قال الله سبحانه وتعالى: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا), وهذا يشير إلى أن الشعوب ليست نسخا متكررة (كما هو الحال مع الأفراد), وأن لدى كل شعب ما يقدمه للشعوب الأخرى، وما يستفيد منه ويحصل عليه منها فى عملية تبادل للخبرات والمنافع والثقافات.
كذلك فإن مصر وطننا، والوطن بالنسبة للإنسان روح وجسد لا ينفصلان، وموطن الإنسان ومسقط رأسه من أعز ما يملك، حتى اعتبرت الهجرة فى سبيل الله من أعظم أشكال الجهاد، لأن التخلى عن الوطن - حتى وإن كان مؤقتا - أو الإخراج منه هو من أشد النكبات التى يمكن أن يتعرض لها الإنسان, بل هو النكبة الثانية بعد الموت مباشرة. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لمكة: (إنك لأحب بلاد الله إلىّ ولولا أن أهلك أخرجونى منك ما خرجت) وقد كان الصحابة تصيبهم فى المدينة أعراض الشوق لمكة، وكل ذلك رغم أن مكة والمدينة من بلاد العرب.
وبالإضافة لكل هذه المعانى العامة عن الوطن والأوطان. فإن لمصر خصائصها الخاصة:
فمصر وطن قديم شاءت له المقادير من حيث الموقع والموضع أن يتبلور بخصائص منفردة وشخصية متميزة, لعبت الجغرافيا دورا كبيرا فى ذلك، فمصر تبلورت كمجتمع حول نهر النيل بكل ما يعنيه ذلك من معانى الاستقرار والرخاء والوحدة السياسية، ثم كأنها وضعت فى علبة مغلقة نسبيا تعزلها عن العالم الآخر، بكثافة صحراوية شرقا وغربا, وبشلالات نهر النيل جنوبا (جنوب أسوان), وبكثافة بحرية شمالا وشرقا, وهو أمر يسمح لها بنوع من الحماية، والعزلة النسبية عما حولها، وأن تعيش وتنمو بحرية بحثا عن ذاتيتها الخاصة وأسلوبها الخاص والفريد فى الحياة، على خلاف كثير من البلدان التى نشأت فى العالم وكانت عرضة للاجتياح الفورى فى أى لحظة، سواء فى صورة سلمية أو حربية, حتى أن بلدانا عديدة اختفت من الوجود أو تم استيعابها فى بلدان أخرى، أو استمرت بدون هوية واضحة من شدة تعرضها للاجتياحات الخارجية.
ولكن مصر - وأيضا بحكم الموضع والموقع - كانت دائما فى قلب العالم متوسطة بين ثلاث قارات أساسية, وما كان لها أن تنعزل تماما إلا فى بداية تكوينها, وقد استمرت هذه المرحلة ردحا طويلا من الزمان، ولكن مع تطور آلات الحرب ووسائل الانتقال بدأت مصر تتعرض لغزوات برية من الشرق أساسا, وبدرجة أقل من الغرب والجنوب، ولكن حدث ذلك بعد أن تكونت شخصيتها, فلم يعد لهذه الغزوات تأثير جذرى على تكوينها الرئيسى وشخصيتها المستقلة، وقد مكنها الدرع الصحراوى المحيط بها من التنبه المبكر لهذه الغزوات وصدها، وعندما كانت تنفذ إليها بعض هذه الغزوات كانت تستوعب الغزاة بأكثر من تمكن الغزاة من استيعابها، قبل أن تتمكن من إجلائهم كقوة عسكرية حاكمة، بل كثير من هذه الغزوات لم يتمكن إلا من الوصول إلى الدلتا دون الوصول إلى أقصى الجنوب. ولم تتعرض مصر لأول مرة لغزو بحرى إلا فى العهد الرومانى، بعد أن أصبحت الشخصية المصرية أكثر تبلورا. والملفت للانتباه وتأكيدا لذلك، أن العقائد المصرية كانت هى التى تنتشر فى البلاد الغازية, على عكس القانون العام الذى يقول أن الغزاة يفرضون عقائدهم. فانتشرت العقائد المصرية فى بلاد الشام وجنوب أوروبا, فى حين لم تنتشر عقائد وثقافات هذه البلدان فى مصر.
لقد لعبت هذه المعادلة الفريدة دورها الخاص فى بناء الشخصية المصرية، فمصر تتمتع بعزلة نسبية وحماية طبيعية كافية لبلورة مجتمعها الخاص، وفى نفس الوقت فهى ليست معزولة عن العالم وتتلاقح مع الثقافات الأخرى, ولكنها تصهرها فى بوتقتها الخاصة. فالأوروبى يتمصر ولا يتأورب المصرى، والشامى يتمصر، ولا يتشوم (إن جاز التعبير) المصرى.
ولكل هذه العوامل التاريخية, فمصر من الدول القليلة فى المنطقة العربية الإسلامية ذات الكيان الواضح والمتماسك والمستقل نسبيا عما حوله, بل هى تقوم على بحر من الفسيفساء المحيط بها من كل جانب. وهذا هو أساس ظهور نزعات قطرية انعزالية تدعو إلى (مصر أولا) أو (فرعونية مصر)، وهذا هو أسوأ فهم وتعامل مع تاريخ مصر، لأن كل ما أشرنا إليه يفيد فى توضيح الدور القيادى والحضارى لمصر فى منطقتها, ولا يفيد الانعزال أو العنصرية أو التعالى، فكل هذا يعود بالوبال على مصر, ومصر كل مراحل قوتها وازدهارها الحضارى لم تأتى معزولة عن محيطها الشامى (كانت تسمى بلاد الشام) أو الأفريقى.
تماسك وانسجام النسيج المصرى من الحالات الفريدة بين الأمم، وهى لم تعرف صراعات دينية أو مذهبية أو عرقية إلا بصورة هامشية حدثت أساسا بسبب التدخلات الأجنبية, وفى وجود حكم أجنبى كإبادة الحكم الرومانى للمسيحيين المصريين.
ونحن أمام كتلة واحدة فى الوقت الحاضر, أغلبيتها الساحقة مسلمة شافعية (مع قلة مالكية), والأقلية المسيحية أغلبيتها الساحقة تنتمى إلى الكنيسة الأرثوذكسية المصرية، وعندما جاء الرحالة الأوروبيون فى العصر الحديث لم يعرفوا كيف يميزون بين المسلم والمسيحى, لوحدة العادات والتقاليد بينهم حتى لقد قال أحدهم: (إن المسيحيين مسلمون يصلون فى الكنيسة يوم الأحد!). ولكن فى العقدين الأخيرين ظهرت مشكلة طائفية حقيقية، وطارئة، وغريبة عن تاريخ مصر وسنتطرق إليها فى فصل لاحق.
تماسك وانسجام ووحدة النسيج المصرى، يؤهلها للعب دور قيادى، كمغناطيس حضارى قادر على جذب الشتات العربى والإسلامى والإفريقى المحيط بها، وهذا دور تاريخى يتعين على مصر أن تقوم به لصالحها, ولصالح الإقليم المحيط بها, ولأن مصر بلد بطبيعته محورى فى إقليمه، ومن ثم فى العالم، فإذا لم تقم مصر بهذا الدور، فإن قوة أجنبية ستوظفها وتستخدم مكانتها لصالح هذه الأطماع الأجنبية، وهذا ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية حاليا مع مصر، حيث أصبحت مجرد حلقة أساسية فى إطار الإستراتيجية الأمريكية فى منطقتنا.
وهكذا فإن رؤيتنا بضرورة إحياء الحضارة العربية الإسلامية، لا يعنى أن ننظر إلى مصر كبلد من البلدان، ليس لأنها وطننا فحسب، بل لأن هذا الوطن له دور متميز وقيادى فى مشروع النهضة العربية والإسلامية. إننا مسئولون فى المحل الأول عن استنهاض بلادنا، وانتشالها من حالة التدهور التى تنحدر فيها فى العقود الأخيرة، النهضة المصرية مطلوبة فى حد ذاتها, لأن من لا يصلح بيته لن يصلح العالم من حوله. وواجب أى حزب أو حركة سياسية فى مصر أن تضع على قمة أولوياتها، استعادة مصر لمكانتها، واستعادة شعب مصر للحياة الحرة الكريمة، واستعادة التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وإعادة مصر من جديد إلى مجرى النهضة والحضارة، حيث أصابنا ما أصابنا من الخروج من المنافسة، وسبقتنا عشرات الأمم فى مختلف القارات ونحن نيام.
طموحاتنا كبيرة، وآمالنا عريضة تجاه حالة الصحوة والمقاومة التى تنتاب الأمة العربية والإسلامية، ولكن دورنا سيبقى فى المحل الأول استعادة مصر المختطفة، مصر التى اختطفها الحلف الصهيونى - الأمريكى.
*****
مثال توضيحى: الشخصية المصرية موضوع طويل ومتشعب, وهذه رسائل مكثفة، وللتوسع يمكن قراءة مقدمة موسوعة تاريخ مصر لأحمد حسين, والدراسة المهمة للدكتور جمال حمدان (شخصية مصر) دون أن يعنى موافقتنا على كل ما جاء فيها، ولكن قراءتها مهمة لمن يريد أن يتوسع فى فهم الشخصية المصرية. ولكن نتوقف الآن عند مثال توضيحى لأحد خصائص ما نسميه (الشخصية المصرية)، فالشعب المصرى منذ فجر التاريخ لم يكن لديه أى ميل عنصرى، بل لم يكن يُعنى بأن يكون الحاكم مصريا أصيلا (بالدم) بقدر ما يُعنى بأن يكون حاكما عادلا ومتبنيا للعقائد المصرية. فمنذ وقت مبكر عرفت مصر حكاما من أصل نوبى (سودانى) وعرفت حكاما من أصل ليبى، وإن كان تقبلهم للنوبى أكثر من الليبى. وتقول بعض كتب التفسير أن الملك العادل الحكيم فى عهد سيدنا يوسف، كان من الهكسوس (أهل الشمال أو الشام). ولم تكن ثورات الشعب ضد المماليك بسبب جنسهم, ولكن بسبب ظلمهم، وعندما وجد الحاكم العادل أو المجاهد ضد الصليبيين كانوا يلتفون حوله (سيف الدين قطز على سبيل المثال)، ولا يزال المصريون وحتى الآن يعتبرون أن صلاح الدين الأيوبى كان أفضل حاكما لمصر وهو كردى. وقد ثار الشعب المصرى لتنصيب محمد على حاكما رغم علمه بأصله الألبانى (من مقدونيا)، وفى أحدث العصور لم يعر المصريون انتباها إلى أن اثنين من أربعة رؤساء جمهورية حكموا مصر بعد 23 يوليو 1952 كانا من أصل سودانى (محمد نجيب - محمد أنور السادات) ورغم الجدل حولهما إلا أن أحدا لا يثير هذا الموضوع كأساس للتقييم، ولم يعر أحدا انتباها لما كتب الأستاذ هيكل عن أن والدة أو جدة السادات كانت أمة سودانية (ست البرين). فما يشغل المصريين هو العدل وليس الأصل العرقى، كما أن المصرى لا يعرف حكاية التمايز العرقى، فالمصريون بشخصية واحدة من الأسمر الفاحم السواد فى أقصى الجنوب حتى الأبيض والأشقر فى أقصى الشمال. ولا ينشغل المصريون بالدماء التركية أو العربية التى تسرى فى دماء هذه الأسرة أو تلك، وإن كان البعض يفتخر بأصوله العربية من مكة والمدينة لأسباب دينية.
ولا شك أن هذا الموقف يسرى على كثير من البلدان العربية والإسلامية, حيث كانت الحدود مفتوحة, والتنقل واسع بين بلاد العرب والمسلمين، ولكنه لا يرتفع إلى واقع وممارسة المجتمع المصرى حيث يعد من الأكثر نزاهة فى هذا المجال، كما أن هذا الموقف الحضارى بدأ كما ذكرنا قبل العهد الإسلامى الذى دعا لإلغاء التفرقة بين الناس على أساس اللون أو العرق أو الدين. ومن ناحية أخرى فإن الشعب المصرى كان لا يتفاعل إلا مع الحاكم (من أصول غير مصرية) الذى يتحول إلى مصرى صميم، ويعنى بالوطنية المصرية قولا وفعلا، ويقيم علاقاته الخارجية على أساس أنه مصرى ويمثل مصر. ونفس الشىء ينطبق على أى مواطن عربى أو مسلم أو يونانى أو من أى جنسية يستوطن فى مصر، فهو يتحول إلى مصرى، والمصريون يعتبرونه مصريا، بغض النظر عن حالة أوراقه الرسمية.
مصر الجاذبة (لا الطاردة), مصر المستقرة المتلاحمة المتسامحة التى لا تعرف التعصب العنصرى أو الدينى أو القومى، هى أكثر بلدان العرب وبلدان المنطقة الإسلامية والأفريقية، قدرة على القيام بدور قيادى يسعى للتلاحم والتقارب والتعاون. كما تفعل الصين فى جنوب شرقى آسيا، وكما تفعل البرازيل فى أمريكا اللاتينية. بل إن مصر هى البلد الوحيد الذى يمكن أن يوحد الأمة العربية, لسبب بسيط، فهى البلد العربى الوحيد المتواجد فى أفريقيا وآسيا، وهمزة الوصل الوحيدة بين الجناح الآسيوى والجناح الأفريقى للأمة العربية. ولولا الفتح العربى لمصر لما وصل الإسلام سريعا إلى أقصى المغرب, ومن ثم إلى الأندلس.
ولم يكن من قبيل الصدف أن مصر هى التى وجهت ضربات متوالية للغزوات الصليبية، حتى الانتصار الحاسم فى حطين، وأن مصر هى وحدها التى استطاعت وقف الإعصار المغولى من شرق آسيا حتى الشام. وعبر التاريخ كانت أى قوة عالمية صاعدة أو مهيمنة تدرك أن مصر هى جوهرة الشرق, التى يجب الاستيلاء عليها لفتح الشرق كله. ويرجع ذلك لكل سمات الموقع والموضع، وعوامل الاستقرار والحضارة والرخاء (الزراعة). لذلك وعبر كل مراحل التاريخ: إسأل من يسيطر على مصر؟ وستعرف من الإجابة من يسيطر على العالم؟!
مجدى أحمد حسين
*****
المقالات الكاملة لمجدى حسين:

No comments:

Post a Comment