شريط أخبار موقع حزب العمل الإسلامى

Thursday, March 24, 2011

لماذا حزب العمل؟ (5) مصر والسودان علاقة متميزة



امتدادا لما سبق ذكره عن تاريخ مصر ووضعها المتميز وصلتها العضوية بالعروبة والإسلام، تتميز رؤية حزب العمل عن باقى الأحزاب والتيارات السياسية بالاهتمام الخاص بعلاقة مصر بالسودان. كدائرة خاصة وأولى قبل الانطلاق للدائرتين العربية والإسلامية. بل إننا نرتفع بهذه الرؤية إلى اعتبار أن مصر والسودان بلد واحد. وقد كانت هذه رؤية الحركة الوطنية قبل 23 يوليو 1952، وكانت رؤية الدولة ككل, فقد كان ملك مصر اسمه ملك مصر والسودان. وظل حزب العمل هو الأمين لهذه الرؤية استنادا لأعماق التاريخ. (راجع تفاصيل هذا الموقف فى كتابنا مصر والسودان), وقد لا يلقى هذا الطرح استجابة سهلة من السودانيين والمصريين بعد 60 عاما من الانفصال، ولكن برنامجنا لا يقوم على أساس ما يشعر به الناس الآن، إنما يقوم على أساس تصور مبدئى لفكرة العروبة والإسلام، وأن الاندماج الوطنى بين بلدين أو أكثر يسهل ويساعد على تحقيق هذه المهمة الكبرى، شريطة أن يكون الاندماج الوطنى له أساس تاريخى ونفسى وعقائدى, وشريطة أن يتم ذلك بصورة طوعية, وباقتناع شعبى متبادل، وبالتالى فنحن نعلم أن مهمتنا ليست سهلة فى هذا المجال بعد تنمية عوامل الفرقة والابتعاد بين البلدين، ولكننا نخاطب فى الشعبين المصلحة المشتركة الأكيدة، والمشاعر المتبادلة، والحب المتبادل بينهما, والحقيقة فلا فارق حقيقى بين محافظتى قنا وأسوان والسودان، فالناس هم نفس الناس بطبائعهم وملابسهم وعاداتهم وتقاليدهم وصلات الرحم بينهم ولون البشرة واللهجة, وهذا ينطبق أكثر بطبيعة الحالة على أسوان. والحقيقة فإن الجنادل (الصخور) التى تعترض مجرى نهر النيل أو ما يسمى الشلالات هى السبب الأساسى فى عدم الاندماج الكامل بين البلدين, وليس التمايز السكانى أو أى اعتبار آخر.
مساحة السودان تعادل مرتين ونصف مساحة مصر, مع ملاحظة إن معظم هذه المساحة مأهولة بالسكان أو قابلة للتوطن فيها, فالصحراء السودانية أقل بكثير من مساحة الصحراء المصرية التى تغطى 96% من مساحة مصر!
السودان أكبر دولة أفريقية، وهو يعج بالثروات الزراعية والحيوانية والمعدنية، التى تكفى احتياجات ليس مصر والسودان فحسب, بل كل العرب والمسلمين, مع التصدير للخارج. ومصر تمتلك دولة مركزية قوية ولكنها تملك ثروات أقل، ولن نقول أن مصر تمتلك الخبرة، فلدى السودان الآن خبراء فى مختلف المجالات، ولكن قد يكون المقصود خبرة العمال الماهرة فى الزراعة والمجال الحرفى والصناعى. وإن تكامل مصر والسودان من شأنه قيام دولة إقليمية كبرى وقائدة. ولذلك سعى الغرب باستمرار لوضع حواجز بين مصر والسودان، وبين شمال وجنوب السودان، سواء فى العهد البريطانى أم فى العهد الأمريكى الحالى. وقد أدى التوجه الإسلامى لنظام الإنقاذ إلى نفور النظام المصرى منه فى أول الأمر، مما ساهم فى التباعد أكثر بين البلدين, أما التقارب الذى جرى فى السنوات الأخيرة فقد كان ولا يزال خجولا محدودا، وأيضا جاء متأخرا، فالسودان الحديث الذى قامت حدوده الحالية فى ظل دولة محمد على التى وحدت مصر والسودان، هذه الحدود معرضة الآن للتمزق باستفتاء انفصال جنوب السودان، وباستمرار حركات التمرد فى دارفور, بالإضافة لبعض البؤر المتناثرة بين الشمال والجنوب (ابييه وبعض مناطق كردفان كمثال) ولا شك أن حديثنا عن ترابط مصر والسودان نعنى به الشمال أساسا وهو يمثل 75% من السكان والأراضى، وعلى أساس أن مهمة الشمال هى جذب الجنوب إلى القاطرة، بالوسائل الشعبية والسلمية, ومن الواضح أن مصر لم تقم بدورها التاريخى, ليس فى السنوات الأخيرة فحسب, ولكن منذ عام 1952, وقد كان فى ذلك خسارة للطرفين، فها هو السودان يتعرض للتمزق، وهو أمر يضعف من الكيان المصرى عندما تكون هذه هى أحوال حدوده الجنوبية، ومن حيث يأتيه نهر النيل, وعندما نصل إلى رؤيتنا الاقتصادية سندرك أن حل مشكلات مصر الاقتصادية لا يمكن أن يتحقق بصورة واقعية بعيدا عن السودان, خاصة فيما يتعلق بالمجالات الزراعية والحيوانية والمائية والسكانية, والمثير للعجب أن السودان فى كل العهود لم يكن حجر عثرة أمام أى تعاون مع مصر، ولكن مصر الرسمية هى التى كانت تبتعد عن السودان خوفا من مشكلاته الداخلية العديدة، وأيضا لتخلف فى الرؤية الإستراتيجية، وتصور أن الارتماء فى أحضان الغرب هو الذى سيحل مشكلاتنا الاقتصادية!!
ما لم تقم به مصر من 1952-2010 هو برنامجنا، وهو اعتبار توثيق العلاقة مع السودان (أو دولة السودان الشمالية المحتملة 2011) أولوية قصوى فى الخطة الوطنية، وأن تلقى مصر بثقلها فى هذا المجال، للحفاظ على وحدة شمال السودان أولا، ثم الاستعادة التدريجية لجنوب السودان كهدف أبعد، لأن استقلال جنوب السودان يتم بمؤازرة غربية صهيونية، ولم يكن بإمكان الخرطوم وحدها أن تقاوم هذا المخطط.
ويتصور النظام الحاكم فى مصر أنه داهية ومكار حين يقيم علاقات ودية مع دولة جنوب السودان، ولسنا ضد ذلك فى إطار تقليل الخسائر، ولكن دولة جنوب السودان ستولد مرتبطة عضويا بإسرائيل وأمريكا والغرب. ولن تسير فى ركاب حكومة مصر,لأنها بنت لها مدرسة أو مستشفى!! فهذه العلاقة العضوية مع الغرب موجودة بالفعل وبدأ نسجها منذ 1955 مع أول تمرد فى الجنوب.
ولا يمكن استيعاب مشكلة جنوب السودان إلا فى إطار فهم المخطط الغربى لوقف انسياب الإسلام من الشمال إلى الجنوب، لأن الإسلام هو الرابط الأسمنتى الذى يمكن أن يوحد السودان، وإذا استقر الإسلام فى جنوب السودان فسيعزز هذا الوجود الإسلامى فى وسط وشرق القارة الذى يتراوح بين 40-60%من السكان من بلد لآخر. وقد أصبح السودان معقلا مهما للإسلام خاصة بعد قيام نظام الإنقاذ 1989، وكان مرشحا لترويج الرؤية الحضارية والسياسية للإسلام فى محيطه الأفريقى, وكان لابد من إيقافه بأى ثمن، فكانت الحروب التى شنتها أوغندا وأثيوبيا وكينيا على جنوب السودان, تحت غطاء التمرد الجنوبى ودعما له. وكانت كل إمكانيات أمريكا وإسرائيل والغرب والتجمعات الكنسية الغربية تحت أمر التمرد. والتنازلات التى قدمها النظام السودانى فى نيفاشا كانت تحت ضغط الاستنزاف الحربى المستمر فى أوحال المستنقعات والغابات فى الجنوب.
وكثيرا ما يتم ترويج أن الجنوب مسيحى, فى حين أن آخر إحصاء رسمى قام به الإنجليز يقول أن سكان الجنوب: 20% مسلمون - 20% مسيحيون - 60% وثنيون. فآخر إحصاء يقول بتساوى عدد المسلمين والمسيحيين. وهو إحصاء قديم لم يعد بالإمكان التعديل عليه: ولكن لا يعنى ذلك إطلاق أحكام جزافية كالقول بأن الجنوب مسيحى. فهناك مؤشرات عكسية, حيث سعت الحركة الإسلامية فى الشمال لتوسيع نشاطها فى الجنوب، كما أن وجود أكثر من مليون جنوبى فى الخرطوم أدى إلى انتشار الإسلام بينهم. والمنافسة الحقيقية ليست بين الإسلام والمسيحية، ولكن بين انتماء جنوب السودان لأمته الأفريقية المستقلة، أم استمرار خيار التبعية للغرب، وقد أصبح مشروع الاستقلال الأفريقى مرتبطا بالإسلام، لا كراهية أو رفضا للمسيحية، ولكن لأن المسيحية لا تطرح مشروعا ذا طابع حضارى شامل: سياسى - اقتصادى - اجتماعى.
باختصار شديد فإن استقرار خاصرة مصر الجنوبية لن يتحقق بدون انتشار الإسلام، ودمج الجنوب فى الشمال على أساس طوعى، وهذه خطة صريحة ومعلنة تستند إلى العمل الدعوى السلمى، وإقامة علاقات تعاون وتبادل منافع مع أهل الجنوب. وهذا ليس دخولا فى منافسة مع التبشير المسيحى, وإن كان التنافس السلمى لا عيب فيه، ولكنه حقيقة ضد المشروع الاستعمارى الغربى الذى يستخدم - من ضمن ما يستخدم - مسألة الدفاع عن المسيحية فى أفريقيا! بل على النقيض من ذلك فإننا ندعم أى نظم أو حركات أفريقية مسيحية أو علمانية تحمل مشروعا استقلاليا أفريقيا.
وهكذا فقد أصبحت استعادة الجنوب مسألة أبعد، أما المسألة الملحة، فستظل فى علاقتنا مع شمال السودان لمنع المزيد من تفتته، وتنمية ثرواته وصد المؤامرات الغربية عنه (المحاكمة الجنائية للرئيس السودانى)، وتطوير المشروعات الزراعية والتنموية معه.
من المثير للسخرية أن نتحدث عن غزو الصحراء فى مصر، ويوجد فى السودان 200 مليون فدان صالحة للزراعة (كل ما تملكه مصر 6 مليون فدان) الأرض فى السودان خصبة وتتمتع بالطمى الذى حرمنا منه بسبب السد العالى، والإنتاج الزراعى سيكون من الحصة المائية للسودان، والمنتجات تغطى احتياجات مصر والسودان, ولتكف مصر عن الصراخ فى مجال اعتمادها بنسبة 60% من غذائها على الاستيراد من الخارج, بل ستؤدى هذه المشروعات إلى فائض للتصدير للعرب والمسلمين والعالم.
وبعد أن أصبحت مصر بيئة طاردة (وليست جاذبة) للسكان لأول مرة منذ نشأتها، فإن حكامنا محدودى الأفق لا يفكرون إلا فى تحديد النسل, فى حين أن السودان بإمكانه استقبال ملايين المصريين، بل لقد دعا حكام السودان الحاليين إلى ذلك. ليستوطنوا ويعيشوا كمواطنين سودانيين، وفى إطار فهمنا لدولة مصرية وسودانية موحدة فإننا نؤيد هذا الاتجاه، ونرى أنه سيحدث فى نهاية المطاف, ولكن بعد كثير من العذابات, لأن الحكومة المصرية لا تشجع ذلك فى إطار مخاوفها المرضية من النزعات الإسلامية فى السودان. فبعد انسداد فرص العمل فى الخليج والعراق وباقى الدول العربية، فإن السودان هو المجال المفتوح عمليا الآن للعمالة المصرية.
السودان هو الحل الوحيد لمصر لحل المشكلة الغذائية، وأيضا لحل مشكلة تكدس السكان حتى مستوى التعفن فى الوادى والدلتا. وهو الأمر الذى يعود فيفاقم المشكلة الغذائية بالتوسع فى البناء على الأرض الزراعية.
وتقول مصادر رسمية مصرية أن مصر يعيش فيها ما بين 2 إلى 3 ملايين سودانى، فهل يشعر بهم أحد؟! إنهم مندمجون فى المجتمع المصرى, ولا يشعر أحد بوجودهم كأجانب. هذا هو المؤشر الحقيقى للعلاقة بين الشعبين. كذلك لا يعرف كثير من المصريين أن تاريخ السودان القديم هو امتداد للتاريخ الفرعونى المصرى، وأنه يوجد بالسودان حاليا أقلية مسيحية تابعة للكنيسة الأرثوذكسية المصرية.
ليبيا:
نرى أيضا أن النواة الأولى للوحدة العربية والإسلامية هى الثلاثى: مصر - السودان - ليبيا. ولا شك أن العلاقات التاريخية مع السودان أعمق وأشد وثوقا. ولكن ليبيا بحكم الجوار ارتبطت بمصر (خاصة برقة بشرق ليبيا) منذ فجر التاريخ, وفى كثير من الأحيان كانت جزءا من الدولة المصرية، وكما ذكرنا حكمنا بعض الليبيين فى فترة ما من تاريخ مصر القديمة. ولكن يبدو أن الفاصل الصحراوى (مئات الكيلومترات) كان أشد من شلالات النيل. ومع ذلك فإن الصحراء كانت واسطة لتنقل القبائل بين البلدين وتبادل التوطن, ولا شك أن النواة (مصر - السودان - ليبيا) نواة إستراتيجية, لأنها وسط الوطن العربى بالضبط، وستكون قوة عظمى إقليمية بالفعل, لتنوع إمكانياتها وتكاملها، كما أنها تتمتع بمزية التواصل الجغرافى الأرضى على خلاف مشكلة الوحدة مع سوريا فى ظل انقطاع جغرافى.
ويقوم هذا المشروع على أساس الإرادة المستقلة للدول الثلاثة، ومنذ سنوات كانت ليبيا والسودان هما المستقلتان عن الهيمنة الأمريكية، والآن انضمت ليبيا إلى مصر, وأصبح المشروع أكثر صعوبة, لأن أمريكا لا تؤيد أى تقارب عربى على أساس استقلالى.
على أى حال نحن نتحدث عن تصورنا البرنامجى، وما نسعى إليه على المدى الطويل, ولكن فى المدى القصير لابد من العمل على إلغاء التأشيرات بين البلدان الثلاثة، وإلغاء الجمارك، وتكوين سوق مشتركة كما فعلت تركيا مع سوريا ولبنان والأردن!!
مجدى أحمد حسين
*****
المقالات الكاملة لمجدى حسين:


No comments:

Post a Comment